بعد ما يقرب من 15 عامًا قضاها تيم كوك على رأس شركة آبل، تستعد الشركة الأمريكية العملاقة لدخول مرحلة جديدة مع إعلان تسليم القيادة إلى جون تيرنوس، الذي يشغل حاليًا منصب نائب الرئيس الأول لهندسة الأجهزة.
ومن المقرر أن يتولى تيرنوس منصب الرئيس التنفيذي رسميًا اعتبارًا من الأول من سبتمبر 2026، في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا داخل واحدة من أكثر الشركات تأثيرًا في العالم.
ورغم أهمية هذا الانتقال، فإن اسم تيرنوس لا يزال غير مألوف لدى الكثيرين خارج أروقة الشركة، حيث إنه قضى سنوات طويلة يعمل خلف الكواليس، مركزًا على تطوير المنتجات بدلًا من الظهور الإعلامي.
مسيرة مهنية نمت داخل جدران آبل
يبلغ جون تيرنوس 51 عامًا، وقد أمضى جزء كبيرًا من حياته المهنية داخل آبل، حيث انضم إلى الشركة في عام 2001، في وقت كانت فيه لا تزال في مرحلة بناء هويتها الحديثة، وذلك بعد تجربة قصيرة في شركة ناشئة تعمل في مجال الواقع الافتراضي.
وبدأ تيرنوس مسيرته في قسم تصميم المنتجات، حيث عمل على مهام دقيقة للغاية، من بينها تحليل مكونات أجهزة الشركة بدقة متناهية، حتى أنه كان يراجع تفاصيل صغيرة، مثل تصميم رؤوس البراغي. هذه البداية تعكس فلسفة آبل القائمة على الاهتمام بأدق التفاصيل، وهي فلسفة ساهم تيرنوس في ترسيخها مع مرور الوقت.
ومع تقدمه داخل الشركة، شغل عدة مناصب قيادية، إلى أن أصبح نائبًا لرئيس هندسة الأجهزة في عام 2013، قبل أن يرقى إلى منصب نائب الرئيس الأول في عام 2021، ليصبح أحد أبرز القيادات الشابة نسبيًا داخل الإدارة العليا.
بصمة واضحة في أهم منتجات آبل
لم يكن جون تيرنوس مجرد إداري، بل كان لاعبًا رئيسيًا في تطوير عدد من أهم منتجات آبل. فقد أشرف على تطوير أجهزة عديدة، مثل: AirPods، Apple Watch، Apple Vision Pro.
كما أنه لعب دورًا محوريًا في أحد أهم التحولات الاستراتيجية في تاريخ الشركة، وهو الانتقال من معالجات إنتل إلى شرائح Apple Silicon، وهي الخطوة التي عززت أداء الأجهزة، ومنحت آبل استقلالية أكبر في تصميم منتجاتها.
وفي أحدث مشاريعه، شارك في تطوير جهاز MacBook Neo، الذي يستهدف تقديم تجربة آبل للحواسب المحمولة بسعر أكثر تنافسية، ما يشير إلى توجه جديد نحو توسيع قاعدة المستخدمين.
أسلوب قيادة مختلف
يرتبط جون تيرنوس بعلاقة مهنية قوية مع تيم كوك، الذي ينظر إليه كمرشد له خلال مسيرته. لكن ما يميز تيرنوس ليس فقط خبرته التقنية، بل أيضًا فلسفته القيادية.
في خطاب ألقاه عام 2024، أعرب عن إحدى قناعاته الأساسية بقوله إن على الإنسان أن يفترض ذكاء الآخرين من حوله، دون أن يفترض أنه يعرف بقدرهم.
وهذا التوازن بين الثقة بالنفس والتواضع يعكس نمط قيادة مختلفًا عن الصورة النمطية للقادة في وادي السيليكون، الذين غالبًا ما يتسمون بالحضور القوي والصخب الإعلامي.
التحديات الكبرى في المرحلة المقبلة
مع توليه منصب الرئيس التنفيذي، سيواجه تيرنوس مجموعة من التحديات الاستراتيجية التي ستحدد مستقبل آبل، من أبرزها:
تسريع الابتكار في الذكاء الاصطناعي
تحتاج الشركة إلى تعزيز حضورها في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل المنافسة الشرسة مع شركات التكنولوجيا الكبرى.
تحديد مصير تقنيات الواقع المختلط
يمثل جهاز Apple Vision Pro خطوة طموحة، لكن نجاحه يعتمد على قدرة الشركة على تحويله إلى منتج واسع الانتشار.
الحفاظ على زخم الأجهزة
لطالما كانت الأجهزة هي العمود الفقري لآبل، وسيكون على تيرنوس ضمان استمرار الابتكار في هذا المجال، مع الحفاظ على جودة التجربة.
شخصية هادئة برؤية إنسانية
بعيدًا عن عالم التكنولوجيا، كان جون تيرنوس رياضيًا خلال دراسته الجامعية، حيث مارس السباحة، كما عمل على مشروع تخرج إنساني يهدف إلى مساعدة ذوي الإعاقة الحركية على تناول الطعام باستخدام ذراع يتم التحكم بها عبر حركات الرأس.
ورغم وصوله إلى قمة الهرم الإداري، لا يزال يحتفظ بأسلوب هادئ وبعيد عن الأضواء، ما يجعله من أكثر القادة تحفظًا في وادي السيليكون.