الشاعر حاتم الطائي

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الأربعاء، 24 نوفمبر 2021
الشاعر حاتم الطائي
مقالات ذات صلة
قصة حاتم الطائي والألغاز السبع
الشاعر أبو القاسم الشابي، شاعر الخضراء
وفاة المخرج السوري حاتم علي

ليس غريباً عن أحد منا ذلك الرجل الذي تفاخرت بها الأمم العالمية والعربية على وجه الخصوص، والذي اشتهر بكثرة سخائه وإكرامه الضيف، وليس بمقدور الكتّاب والروائيين حول تلك الشخصية سوى أن ينسجوا حكايات وقصصاً تتلو كرم حاتم في حياته، لعل ذلك جعل اسمه حياً حتى زمننا هذا ليصبح استشهاداً لأي موقف نبيل يفضح كرم صاحبه، فكيف إن كانت هذه الوسمة ممزوجة بقدرة عربية جاهلية على بث روح الشعر في مشاكل الحياة ورواياتها، فاسم حاتم الطائي بحد ذاته يستوقف القارئ ليعرف عنه أكثر.

حاتم الطائي أبو عدي.. ميلاده ونسبه

حاتم الطائي، هو حاتم بن عبدالله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم الطائي، الشاعر العربي الشهير الذي ينتمي إلى قبيلة الطيء العربية المسيحية في اليمن، لذا يفتخر أهل اليمن به ويعتبروه خاصتهم، جعلته القصص الكثيرة التي كانت تروي كرمه الشديد رمزاً للعرب حتى يومنا هذا.

وُلد في عام 46 قبل الهجرة، حيث عاش شبابه في فترة شباب النابغة الذبياني والحطيئة وعبيد بن الأبرص وغيرهم، في حائل بشبه الجزيرة العربية، ودفن فيها بعد وفاته عام 605م، كما ضمت حائل العديد من الشعراء منهم زيد الخير الطائي، حيان بن كليك، الرويشد بن كوثر، قيس بن جروة، لكن الأكثر شهرة هو حاتم الطائي. ولا أحد يعلم إلى أي حدود سافر ووصل في حياته، فربما لم يتجاوز حدود حائل، إلا أن شهرته في حياته مرت على القاصي والداني، فقد كان مثالاً للكرم والسخاء في التقاليد والعادات العربية، ويُلقب بأبو عدي أو أبو سفانا.

سلف حاتم يعود لطائفة من زعماء القبائل

وفقاً للروايات، أقرب سلف لحاتم الطائي كان يدعى هود، الذي كان زعيماً لقرية صغيرة في اليمن، أنشأ جيشاً عسكرياً ضخماً وأطاح بملك اليمن في انقلاب عسكري، فأصبح هود ملكاً لليمن فعم الرخاء لمئات السنين، ثم استلم العرش من بعده ابنه قحطان الذي كان حكمه كحكم والده تماماً، لكن على الرغم من الرعاية والحب الكبير الذي نشأ عليه نخشاب ابن قحطان، إلا أنه نما شريراً ومتمرداً، وأصبح ملكاً من بعد أبيه، كما أن رازن ابن نخشاب كان متمرداً ضد والده هو الآخر ورفض أن يكون له علاقه به، فمات نخشاب من الحزن واستلم رازن من بعده، أطاح به ابنه كهلان الذي قضى بقية حياته بالسجن، وبعدها توفي كهلان بعمرٍ كبير ليخلفه طائي، أصبح طائي ملكاً ذو شعبية ومعروفاً بعدله، فبنى قوة عسكرية ضخمة واحتل شبه الجزيرة العربية بأسرها، تزوج من ابنة عمه وأنجبت له ولداً أسماه حاتم.

لحاتم الطائي ذكر في كل عصر وزمان

جاء ذكره في بعض الأحاديث النبوية للرسول محمد (ص)، واحتفى به العديد من الكتاب والشعراء، فقد تحدث عنه الشاعر الفارسي سعدي في عمله (جوليستان) عام 1259 حيث قال: "حاتم الطائي لم يعد موجوداً، لكن اسمه سيبقى مشهوراً بفضيلته إلى الأبد، قدِموا عشر أموالكم في الصدقات، فالفلاح حين يزيل الأغصان الزائدة، فهو ينتج بذلك زيادة في العنب".

ووفقاً للأساطير في مختلف القصص والكتب؛ كان الطائي شخصية مشهورة في شبه الجزيرة العربية، كما وصل صيته لدول الشرق الأوسط، كذلك الهند وباكستان، كُتب عنه العديد من الكتب في مختلف البلدان ومختلف اللغات، وأُنتج عنه العديد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية حول مغامراته.

كما يقال: "أجود من حاتم".. حاتم الطائي رمزاً للعرب بكرمه الشديد

منذ سن مبكرة عرف عن حاتم طيبته، وظهرت عليه علامات الروح الطاهرة، حيث عاش حياةً بسيطة مع 6000 طفل ولدوا في عمره، فلم يؤذي أحداً منهم، ولم يتفوه بأي كلمة جارحة بحق أحدهم، فكان لذلك شخصاً محبوباً في مملكته.

مآثر حاتم الطائي تتمحور حول كرمه الأسطوري، وكما ذكر في حكايات ألف ليلة وليلة عن ضيفه ريتشارد بيرتون حيث سخي حاتم حتى الموت من أجله، كموقف يبرهن حسن الضيافة البدوية، اشتهر على مرّ العصور بكرمه الكبير وجوده على الضيوف والمحتاجين وشهامته مع الجميع وشجاعته ونصرته للحق ومحاربته الظلم، كما أنه كان يتمتع بأخلاق الفارس الشجاع وله في ذلك مواقف عديدة، ورث الكرم وحسن الضيافة عن أمه، ويقال أن أخواله حجروا على أموال أمه لإسرافها الكثير على الغير وليس على نفسها، وورثت ابنته سفانة هذا الأمر منه أيضاً.

فقد حاتم والده حين كان صغيراً، فتربى على يد جده، فلم يكن على جده أمراً سهلاً تربية طفل وتنشئته، إلا أن حاتم أصبح مصدر فخر، حيث كان يتحدث مع الأصدقاء والغرباء، لكن فيما بعد أصبحت علاقتهما متوترة بسبب كرم حاتم الشديد، وكان الجد يعتبر ذلك إسرافاً، فتخلى عنه نهائياً، فكرم حاتم كان واضحاً منذ طفولته، إذ يقال عنه أنه ذات مرة رفض أن ترضعه أمه حتى أرضعت طفلاً آخراً من ثديها الثاني، وهو عبد الله الثقفي.

وذات مرة حين كان حاتم يرعى قطيعاً من إبل جده، شاهد مجموعة من الرجال قادمين، من بينهم ثلاثة شعراء وهم نابغة الذبياني، عبيد بن الأبرص، بشر بن أبي خازم، خرجوا ليبيعوا أشعارهم مقابل الذهب في بلاط ملك الحيرة، فدعاهم حاتم ليخيموا عنده في تلك الليلة، وقام وذبح إبل من قطيع جده وقدمه لإطعام الضيوف، وكان دائماً أثناء ضيافته يروي القصص المسلية فنمت هذه العادة في ضيافته.

كان حاتم معتاداً على أن يقدم أي شيء في سبيل الكرم باستثناء دابته وسلاحه، لكن حتى حصانه لم يسلم من سخائه، فيذكر ذات مرة بأن قدم لحاتم مبعوث ملكي، إلا أن قطيعه كان في المراعي، فذبح حصانه لإطعام ضيفه، وهناك بعض الروايات تتحدث عن ملك كان يشعر بالغيرة من حاتم وتسامحه وسخائه، فأرسل له رجلاً ليقتله، فيستقبله حاتم كضيف ويدعوه ليبات عنده، وفي الصباح يخبره بأنه قادم ليقتله، فيقدم له حاتم نفسه لكي لا يعود خاوي اليدين لملكه، فيتفاجأ الملك بالرد.

و سئل ذات مرة إن كان هناك من هو أكرم منه، فقال: "نعم، نزلت ذات مرة عند غلام يملك 10 أغنام، فقدم لي رأس غنم ولحمه، فأعجبتني رأس الغنم وظللت أثني عليها وأجد الغلام يخرج ويحضر لي الرأس، وعند مغادرتي وجدت المكان ممتلئ بالدماء، فقد ذبح الغلام كل أغنامه ليطعمني رأسها، ولما سألته لماذا فعلت ذلك؟ قال الغلام: كيف تطلب ما عندي وأمنعه عنك؟ ثم قال السائل لحاتم الطائي: وهل أعطيته شيء في المقابل؟ قال: نعم، أعطيته 300 ناقة حمراء و 50 رأس غنم، قال له السائل: إذاً أنت أكرم منه، قال له: هو الأكرم، فهو أعطاني كل ما يملك وأنا أعطيته جزءاً مما أملك".

فأصبح بذلك كرمُ حاتم وشهامته مثلاً في اللغة العربية وكذلك الفارسية، وأصبح الشعراء يقرنون اسمه في قصائدهم كناية عن الكرم والشجاعة، فبقي اسمه صيغة أدبية مستخدمة في قصائد الرثاء والمدائح.

لم يكن حاتم مسلماً.. ولم يكن كافراً

كان حاتم مؤمناً بالركوسية وهي ديانة بين اليهودية والمسيحية، حيث كانت قبيلته مسيحية الاعتقاد، فلم يعتنق الإسلام، ويقال بأنه توفي قبل الهجرة، إلا أنه كان مؤمناً بإله واحد ولم يكن بكافرا كما يدعي البعض، إذ يقول في أحد أشعاره:

كُلوا اليومَ مِن رزقِ الإلهِ وأيْسِرُوا .. .. فإنَّ على الرحمنِ رِزقكُمُ غَدا

بعد وفاته بزمن أرسل الرسول (ص) علي بن أبي طالب إلى قبيلة طيء لغزوهم فأسر ابنته سفانة، لكن بعد أن علم الرسول بأنها ابنة حاتم الطائي أفرج عنها، حيث قالت له: "إن رأيت أن تخلي عني فلا تشمّت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يفك العاني ويحمي الذمار ويقري الضيف ويشبع الجائع ويفرّج المكروب ويفشي السلام ويطعم الطعام ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي". فأسلمت سفانة، وأسلم من بعدها أخوها عدي، وشارك في حرب الصحابة بجانب علي بن أبي طالب.

كرمه الشديد أصبح صفة متوارثة لأبنائه وأحفاده

تزوج حاتم من امرأة تدعى نوارة، إلا أنها كانت كثيرة اللوم لإسرافه وبذخه على الغير، فذات مرة جاءه خمسين رجلاً فذبح ناقتين لإطعامهم، فانزعجت زوجته منه لأنه يصرف على الغير أكثر من بيته، فطلقته، ثم طلب الزواج من ماوية بنت عفزر ابنة أحد ملوك اليمن، وكانت ابنته سفانة تشبهه في هذا الأمر، فيروى أنه وهبها مجموعة من إبله، فكانت تجود بها على الناس، فقررا في النهاية أن يعيشا منفصلين ليستطيعا العيش والإنفاق على نفسيهما، فجرى بينهما حديث:

-سفّانة يا ابنتي إن القرينين إذا اجتمعا معاً في المال أتلفاه.
-ما تقصد يا أبي؟
-أقصد أن تختاري واحدة من اثنين.. إما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي.. وإلا فلن يتبق لنا شيء.
-أنا أمسك.. والله لن يكون يا أبي.. أنا سفّانة ابنة حاتم الطائي.. ابنة أجود وأكرم رجال العرب.. لا يمكن أن أمسك أو أقبض يدي في وجه أي سائل يا أبي.
-وبما أنه من المستحيل أن يمسك أبوك حاتم.. فما هو الحل؟
-الحل هو الفراق.. لابد أن أقيم في مكان آخر.. هذا هو الحل الوحيد.

كرم حاتم أصبح صيغة أدبية.. كريماً وسخياً ومن أفضل شعراء عصره

عاش حاتم في حياته زعيماً لقبيلة الطائي التي كانت من أكبر العشائر في حائل، وأمضى حياته في زمنٍ كان يجتمع فيه الناس بعد العشاء لتلاوة التاريخ والشعر، لذلك فقد ورث حاتم حسن البلاغة في نظم القصائد والطلاقة في تدوين الشعر والنثر، كما ورث حاتم عن أمه خصال الكرم وإطعام الضيف، ورث عنها نظم الأبيات الشعرية وسجايا الشعر، فمن أبياتها:

لعمري لقدمـاً عضّـني الجـوعُ عضّـةً ... فآليـــتُ ألاّ أمنـــعَ الدّهــــر جائعــــا

فقـولا لهـذا اللائمـي اليـومَ: أعْفني ... فإن أنتَ لمْ تفعَـلْ فَعُـضّ الأصابعـا

فمـاذا عســاكُمْ أنْ تقولــوا لأختِكُـمْ ... سوى عذلِكم أو عـذلِ مَن كانَ مانَعـا

ومــاذا تــرون اليـــــومَ إلا طبيعَــــةً ... فكيـف بتركــي يا ابــنَ أُمّ الطبائعَــا

تميز حاتم بالعطاء في يده وأخلاقه وتعامله مع الناس، ركز على هذه المعاني في شعره، وليس على جبروته وقوته وحدة سيفه وقوة بأسه، فيقول:

كريــــمٌ لا أبيـــــتُ الليـــــلَ جــــادٍ ... أُعــــدِّدُ بالأنامـــــــــلِ ما رزيــــــتُ

إذا مـا بِــــتُّ أشــــــربُ فــــوقَ ريّ ... لِسُـــكر فــي الشــــرابِ، فلا رويــتُ

إذا مـا بِـــتُّ أختـــلُ عــرسَ جـــاري ... ليخفينــي الظــــلام، فـــلا خفـيــت

أأفضــح جارتـــي، وأخـــونُ جـــاري ... مَعـــاذَ اللـــه أفعَـــــلُ مَا حَيِيـــت

وعند التمعن في شعر القدماء، نجد أن غالبيتهم كانوا فرساناً يحملون بشعرهم أمتهم بما تملك من خصال، لكن على الرغم من أن الشعر القديم يتحدث عن الجود والكرم والشجاعة والإقدام ونجدة المحتاج ونصرة الحق ومقارعة الظالم والمستبد، إلا أنه كان يصف شخصية الشاعر بأنه فارس عصره يقدس الكلمة والكلمة تحييه، ويمكننا أن نقرأ ذلك في شعر حاتم الطائي في القصيدة التي ألقاها لزوجته ماوية والتي اختارته على أساسها، فحسبما تروي الحكايات بأن ماوية كانت أشبه بالملكات، فهي من تختار الرجل، فذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني حديثاً دار بين أمير المؤمنين والموجودين عن حاتم وماوية، في مجلس الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان، فسألهم:

- ترى ما هي قصة ماوية وحاتم؟ لقد سمعتكم تذكرون هذين الاسمين، ولكن لا أعرف شيئاً عن ماوية وحاتم.

- يا أمير المؤمنين، كانت ماوية بنت عفزر من عائلة ثرية، لها الحق أن تختار زوجها، وفي ذات يوم أرسلت إلى كل من الشعراء النبيني والنابغة الذبياني وحاتم الطائي؛ والثلاثة طامعون بالزواج منها، فقالت لهم: ليقل كلُّ منكم شعراً يذكر فيه خصاله وفعاله وأفضاله، وأنا أقرر بعد ذلك وأتزوج أكرمكم وأشعركم، فأنشد الثلاثة أمامها، ففاز حاتم حيث كان الأكرم والأشعر.

- فماذا قال؟

أَماويَّ! قَدـْ طــال التجنــبُ والهَجــْرُ .. وقـد عَذَرَتْنـي فـي طِلابكــم العُــذْرُ

أَمـــاويَّ! إن المـــالَ غــــادٍ ورائـــحٌ .. ويبقى من المـالِ الأحاديـثُ والذّكـرُ

أَمـــاويَّ! إنــي لا أقــــولُ لســــائلٍ .. إذا ما جـاء يومـاً، حَلّ فـي مالِنــا نَزْرُ

أَمـــاويَّ! إمّـــــا مانــــــحٌ فــــمُبَيِّنٌ .. وإمّـــا عَطــــاءٌ لا يُنهْنهَــــهُ الزجْــــرُ

أَمـاويَّ! ما يُنـي الثــراءُ عَـنِ الفتــى .. إذا حَشـرَجَتْ نفسٌ وضاقَ بها الصَّدرُ

إذا أنـــا دَلاّنــــي الذيــــنَ أُحِبُّهُــــمْ .. بمَلحُــــودَةٍ زلـــجٍ، جوانبهــــا غُبْــــرُ

وراحُــوا عِجَــالاً ينفضـــونَ أكُفَّهُـــمْ .. يقولـون: قَـدْ دمّــى أنامِلَنــا الحَفــرُ

أَمــاويَّ! إن يصبــح صــداي بقفــرَة .. مِـن الأرضِ، لا مـاءٌ هنــاكَ ولا خمــرُ

تَـرَيْ أنّ ما أهلكْـتُ لَـمْ يَـكُ ضَرّنــي .. وَأنَّ يَـدي ممّـــا بخلْـــتُ بــهِ صِفْـــرُ

أَمــــاويَّ! إنـــي رُبَّ واحــــِدِ أُمِّــــه .. أَجَــرْتُ، فلا قَتْــــلٌ عليــــهِ ولا أَسْــرُ

أَمــاويَّ! إنّ المــــالَ مـــالٌ بَذَلتُـــهُ .. فَأوّلُـــــهُ سُــــــكْرٌ وآخـــــِرُهُ ذِكْــــرُ

وَقَــدْ عَلِــمَ الأقــوامُ لَــوْ أنّ حاتِمــاً .. أرادَ ثـــراءَ المـــالِ، كــانَ لَـــهُ وَفْـــرُ

وَإنِّــــي لا آلُــــو بِمــــالٍ صَنيعَـــــة .. فأوّلُـــــــهُ زادٌ، وآخِــــــرُهُ ذُخْـــــــرُ

يُفَـكُّ بــهِ العانــي، ويُؤكــلُ طيّبـــاً .. ومـــا إنْ تعريــه القــداحُ ولا الخمــرُ

وَلا أظلـمُ ابـن العَـمِّ، إن كانَ إخوتـي .. شـهوداً، وقــد أودى بإخوتـهِ الدهـرُ

غنينــاً زمَانــاً بالتصعــــلك والغنــى .. كما الدهرُ، في أيامهِ العُسْـرُ واليُسْـرُ

لَبِسْـنا صــروفَ الدهـرِ لينــاً وغلظــةً .. وَكُـلاً ســـقَاناهُ بكأْسَـــيْهِما العَصْــرُ

فمــا زادنــا بغيـــاً علــى ذي قرابَــةٍ .. غِنانــا، ولا أزرى بأَحســـــابنا الفَقـــرُ

فقِـدْماً عصيـتُ العـازلات وَسُــلّطَتْ .. عَلَى مُصْطفـى مالي، أناملي العَشرُ

وَما ضـَرَّ جـاراً يا ابنَـة القـوم فاعْلمي .. يُجاورُنـــي، ألاّ يكــــونَ لـــهُ سِــــترُ

بِعينـيَّ عـن جَــاراتِ قومــي غَفَلــةٌ .. وفي السّـَمْعِ مني عن حَديثِهُـمُ وَقرُ

كما كَثُر في الشعر الجاهلي حديث الشعراء عن العذل أي اللوم على ما يقومون به من أفعال وتصرفات، وحاولوا من خلال ذلك التعبير عن بعض القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يفخر بها العربي بأسلوب غير مباشر من خلال اختلاق حوار بين الشاعر وعاذلته وإصراره على فعلها، فنجد هذه الظاهرة واضحة في شعر حاتم الطائي، فدار العذل في شعره حول موضوع الكرم وإنفاق المال كسباً للمال والحمد والثناء الحسن، ومن أشعاره في العذل ما قال:

مهلاً نوارُ أقلّي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات : ما فعلا

ولا تقولي لمالٍ آنتُ مهلكَه ... مهلاً، وإن آنتُ أعطي الجنَّ والخبلا

لا تعذليني على مالٍ وصلتُ به ... رحماً، وخيرُ سبيل المال ما وصلا

وكما ذكرنا كانت ظاهرة العذل واللوم في شعر حاتم واضحة، إلا أنه لا يستخدمه للتعبير عن كرمه ومواقفه فقط، فاستعمله أيضاً في الحديث عن زوجته، إذ قال:

وعاذلة هبت بليل تلومني ... وقد غاب عيّوق الثريّا فَعَرَّدا

تلوم على إعطائيَ المال ضلّةً ... إذا ضنّ بالمال البخيلُ وصرّدا

تقول : ألا أَمسك عليك فإنني ... أرى المال عند الممسكين مُعبّدا

ذريني ومالي، إن مالك وافر ... وآل امرئ جار على ما تعودا

في النهاية.. كان حاتم رجلاً حقاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، علمتنا الروايات بأنه المقدام على التضحية بنفسه في سبيل إكرام الضيف، عداك عن الشجاعة في القتال والفروسية، وناهيك عن شعر لا زال النقاد في صدد لدراسته وتحليله، فما كان ذاك الرجل إلا مثالاً من عربيتنا القديمة.