تاريخ الكوليرا

  • تاريخ النشر: الأربعاء، 05 مايو 2021 آخر تحديث: الخميس، 06 مايو 2021
تاريخ الكوليرا
مقالات ذات صلة
اليونيسيف تحذر المنطقة العربية من تفشي وباء الكوليرا
بكتيريا قديمة مستخرجة تظهر تسبب الكوليرا بأمراض عصرية!
اليوم العالمي للإيموجي: تعرّف على تاريخ اللغة الأسرع نمواً في التاريخ

مرض الكوليرا هو مرضٌ معروف منذ عدة قرون، لكن لم يتم الحديث عنه كثيرًا إلا في القرن التاسع عشر حين تفشى في الهند وتسبب في موت الكثيرين، منذ ذلك الوقت وحتى الآن، انتشر مرض الكوليرا وتفشى على نطاقٍ واسع 7 مرات.

بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية WHO، يصيب مرض الكوليرا ما بين 1.3 – 4 ملايين شخص في العالم سنويًا، ويسبب في موت 21000 – 143000 شخص.

ما هو مرض الكوليرا؟

الكوليرا هو أحد الأمراض المعدية التي تنجم عن الإصابة ببكتيريا تسمى ضمة الكوليرا (الاسم العلمي: Vibrio cholerae). تنتشر هذه البكتيريا وتتكاثر في المياه العذبة وشبه العذبة الدافئة، عند مصبات الأنهار وعلى طول المناطق الساحلية.

يمكن أن يصاب البشر بمرض الكوليرا بسبب شرب المياه الملوثة ببكتيريا ضمة الكوليرا، أو عند تناول الطعام الملوث بهذه البكتيريا وغير المطبوخ جيدًا.

هناك المئات من سلالات بكتيريا الكوليرا، السلالات من نوع O1 و O139 هما السلالتان الوحيدتان المعروفتان والمسؤولتان عن حالات التفشي.

هاتان السلالتان تنتجان سم يسمى "سم الكوليرا" والذي يؤثر على الخلايا التي تبطن الأمعاء وتجعلها تفرز الكثير من الماء الموجود فيها، مما يؤدي إلى معاناة المريض من الإسهال ويفقد نتيجة ذلك أملاح الجسم (الشوارد).

أعراض الكوليرا

معظم الأشخاص الذين يصابون بالكوليرا (حوالي 80 بالمئة) لا يعانون من أي أعراض وتختفي العدوى دون الحاجة لأي تدخل علاجي، لكن النسبة الباقية (20 بالمئة من الأشخاص الذين يصابون بالكوليرا) يعانون من أعراض شديدة، هذه الأعراض تشمل إسهالًا شديدًا وتقيؤ وتشنجات في عضلات الساق، وإذا استمرت هذه الإعراض فإنها تصبح خطيرة وتسبب الجفاف وقد تؤدي إلى الوفاة.

المرضى الذين يصابون بسلالات الكوليرا الأخرى غير O1 و O139 يمكن أن يعانوا من الإسهال، لكنه أقل حدة من الإسهال الناجم عن السلالات O1 و O139.

يمكن علاج مرض الكوليرا عن طريق تعويض الماء والسوائل المفقودة وأخذ المضادات الحيوية لقتل البكتيريا، كما توجد لقاحات لها فاعلية تصل إلى حوالي 65 بالمئة.

أصول الكوليرا

لا أحد يعرف متى أصيب أول شخص ببكتيريا الكوليرا، لكن وثائق قديمة عثر عليها في الهند وتعود للقرن الخامس قبل الميلاد، وفي اليونان (وثائق أبقراط من القرن الرابع قبل الميلاد وأريتايوس القبادوقي من القرن الأول الميلادي) تصف حالات مرضية أعراضها شبيهة بالكوليرا.

أول وصف موثق وأكيد لمرض الكوليرا يعود للمؤرخ البرتغالي غاسبار كوريا، والذي يصف انتشار مرض في ربيع عام 1543 في دلتا نهر الغانج الواقع في منطقة جنوب آسيا في بنغلاديش والهند، ذكر المؤرخ أن المرض يقتل المرضى خلال 8 ساعات من ظهور الأعراض، وبسبب ارتفاع أعداد الموتى، واجه السكان مشكلة في التخلص من الجثث ودفنها أو إحراقها.

في القرون التي تلت هذا التفشي، تحدث مراقبون من البرتغال وهولندا وفرنسا وإيطاليا زاروا الهند عن المرض وأعراضه.

جائحة الكوليرا الأول

تفشى مرض الكوليرا على نطاقٍ واسع عام 1817 في منطقة جيسور التي تقع حاليًا في بنغلادش (كانت في ذلك الوقت جزءً من الهندية البرتغالية)، وذلك بسبب تناول السكان للأرز الملوث بالبكتيريا.

سرعان ما تحول التفشي إلى جائحة وصلت لمعظم أجزاء الهند وميانمار وسريلانكا، كان سبب انتشارها هو طرق التجارة التي أنشأها الأوروبيون.

في عام 1820، وصلت الكوليرا إلى تايلاند وإندونيسيا والفلبين (مات أكثر من 100 ألف شخص في جزيرة جاوة الأندونيسية وحدها). ثم انتقلت العدوى إلى الصين واليابان عن طريق التجارة البحرية والسفن.

في عام 1821، تم نقل بعض الجنود البريطانيين من الهند إلى عُمان، تسبب ذلك في انتشار العدوى في الخليج العربي، وبعد ذلك بفترة قصيرة، وصل الوباء إلى القارة الأوربية، ثم إلى جنوب روسيا وتركيا وبلاد الشام.

في نهاية عام 1923، أي بعد 6 سنوات من تفشي الجائحة، تلاشى المرض، يقول الخبراء أن السبب على الأغلب هو فصل الشتاء البارد جدًا الذي أدى لموت البكتيريا التي تعيش في المياه.

انتشار الكوليرا في أوروبا وأمريكا

بدأت جائحة الكوليرا الثانية في عام 1829. وكما هو الحال مع الجائحة الأولى، يُعتقد أنها بدأت من الهند وانتشرت عبر أسيا والشرق الأوسط عن طريق طرق التجارة البرية والبحرية.

بحلول خريف عام 1830، وصلت الجائحة إلى العاصمة الروسية موسكو. تباطأ انتشار المرض مؤقتًا خلال فصل الشتاء، لكنه عاد مرة أخرى في ربيع عام 1831، ووصل إلى فنلندا وبولندا. ثم انتقل إلى هنغاريا وألمانيا.

أدى ذلك لانتشار المرض في أنحاء القارة الأوربية بما في ذلك المملكة المتحدة والعاصمة لندن، ومن أجل الحد من انتشاره، قامت السلطات البريطانية بفرض حجر صحي ومنع للتجول.

بسبب الخوف من المرض وعدم الثقة برجال السلطة والأطباء، انتشرت تقارير صحفية وإعلامية تقدم إحصائيات ومعلومات مضللة، وانتشرت الشائعات التي تقول إن عدد الأشخاص الذين ماتوا في المستشفيات أكثر من الذين ماتوا في المنازل، وادعى البعض أن السبب هو أن الأطباء يقومون بقتل المرضى لإجراء التجارب التشريحية عليهم. كل ذلك تسبب في أعمال عنف وفوضى مثل "أعمال شغب الكوليرا" في مدينة ليفربول.

في عام 1832، وصل الوباء إلى القارة الأمريكية، ففي شهر يونيو من نفس العام، توفي حوالي 1000 شخص في مقاطعة كيبك الكندية.

بعد ذلك بفترة قصيرة، تم تسجيل حالات إصابة في نيويورك وفيلادلفيا بالولايات المتحدة، وخلال السنتين التاليتين، اجتاح المرض كل الولايات الأمريكية ووصل إلى كوبا والمكسيك.

استمر الوباء في الانتشار صيفًا والانحسار شتاءً لمدة عقدين، حتى اختفى تقريبًا في عام 1851.

كيف درس العلماء الكوليرا؟

في الفترة بين عامي 1852 - 1923، شهد العالم أربع حالات تفشي واسعة النطاق للكوليرا.

الجائحة الثالثة انتشرت بين عامي 1852 - 1859، وكانت الأكثر فتكًا. حيث تسببت في موت أكثر من 23 ألف شخص في بريطانيا العظمى وحدها عام 1854.

في نفس العام، قام الطبيب البريطاني جون سنو، الذي يُعتبر أحد مؤسسي علم الأوبئة الحديث، برسم خرائط دقيقة لأماكن انتشار مرضى الكوليرا في منطقة سوهو في لندن، ساعد ذلك على تحديد مصدر المرض في هذه المنطقة، وهو المياه الملوثة من مضخة الآبار العامة.

أقنع الطبيب المسؤولين بأنه يجب إزالة مقبض المضخة، وبالفعل، انخفضت أعداد الإصابات على الفور.

جائحتي الكوليرا الرابعة (1863 – 1875) والخامسة (1881 – 1896) كانتا أقل انتشارًا من الجائحات التي سبقتها، لكن تسببت في موت مئات الآلاف، فبين عامي 1872 - 1873، تم تسجيل 190 ألف حالة وفاة في هنغاريا. وانخفض عدد سكان هامبورغ بألمانيا بنسبة 1.5 في المائة في عام 1892.

في عام 1883، قام عالم الأحياء الدقيقة الألماني روبرت كوخ، والذي يعتبر مؤسس علم الجراثيم الحديث، بدراسة الكوليرا في مصر وكلكتا بالهند. كان كوخ أول شخص يتحدث بكتيريا الكوليرا، وقال إن وجودها في الأمعاء هو ما يسبب المرض.

لكن عالم الأحياء الدقيقة الإيطالي فيليبو باتشيني هو الذي حدد جرثومة الكوليرا بدقة، وأطلق عليها اسم ضمات الكوليرا.

أثناء انتشار الجائحة الخامسة، لم يتم تسجيل الكثير من حالات الإصابة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، السبب في ذلك هو تحسن تقنيات نقل وتخزين المياه والصرف الصحي، بالإضافة إلى تطبيق الحجر الصحي على السكان.

جائحة الكوليرا السادسة (1899 - 1923) لم يلاحظها سكان أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية بسبب تقدم قطاع الصحة العامة وتقنيات الصرف الصحي. لكنها اجتاحت الهند وروسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. مات في الهند حوالي نصف مليون شخص بين عامي 1918 - 1919.

الكوليرا اليوم

كل جائحات الكوليرا التي تحدثنا عنها بدأت في الهند، لكن الجائحة السابعة بدأت في إندونيسيا عام 1961. ثم انتقلت إلى باقي دول أسيا والشرق الأوسط، ووصلت إلى إفريقيا في عام 1971.

قالت منظمة الصحة العالمية أنه في عام 1990، كانت 90 في المئة من حالات الإصابة بالكوليرا في قارة إفريقيا.

في عام 1991، تم تسجيل إصابات بالكوليرا في البيرو التي مات فيها حوالي 3 آلاف شخص، ثم انتشر في الإكوادور وكولومبيا والبرازيل وتشيلي، ثم في أمريكا الوسطى والمكسيك.

على الرغم من أن إصابات الكوليرا الحالية يتم تسجيلها في 120 دولة، إلا أنه معظم المصابين موجودين في الدول الفقيرة.

انتشر مرض الكوليرا مؤخرًا على نطاقٍ واسع في عدة دول، مثل زيمبابوي 2008 - 2009 (أصاب حوالي 97 ألف شخص مات منهم 4200) وفي هايتي 2010 - 2011 بعد الزلزال الذي أدى لتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، فأصيب حوالي 500 ألف شخص بالكوليرا.

في عام 2017، تفشى مرض الكوليرا في الصومال واليمن. وفي شهر أغسطس عام 2017، أصيب في اليمن حوالي 500 ألف شخص مات منهم حوالي 2000.

  1. "الكوليرا" ، موقع history.com
  2. "الكوليرا" ، منظمة الصحة العالمية
  3. "دراسات الكوليرا" ، المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية في الولايات المتحدة الأمريكية
  4. "جائحات الكوليرا السبعة" ، سي بي سي نيوز
  5. "عدد المصابين بالكوليرا في اليمن بلغ 500 ألف" ، منظمة الصحة العالمية