قصائد وأشعار حزينة وشعراء مصابون بالكآبة

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: السبت، 19 يونيو 2021
قصائد وأشعار حزينة وشعراء مصابون بالكآبة
مقالات ذات صلة
أجمل الأشعار والقصائد في حب مصر
قصائد وأشعار نزار قباني السياسية
أبرز شعراء العراق وأجمل القصائد العراقية

الشعر الحزين على اختلاف تسمياته يعتبر واحداً من أبرز أنماط الشعر، حيث عرف الشعراء ألَّا دواء للحزن أفضل من البوح به، وألَّا شيء مثل القصيدة يخرج ما في النفس من هموم، لذلك سنجد دواوين الشعر مليئة بالقصائد الحزينة والشعر الكئيب، تعرفوا معنا على الشعراء المصابين بالكآبة وأجمل أشعارهم الحزينة.

 

محطات حزينة من حياة شيخ الشعراء أبي الطيب المتنبي

في سيرة أبي الطيب المتنبي قصصٌ وأخبار كثيرة انعكست على شعره وقصائده، ومن بينها اللحظات التي انثنى فيها الفارس الشجاع أمام الألم والحزن والخيبة، خاصة بعد أن خاب أمله في علاقته مع كافور مصر، حيث قال بعضاً من أشهر أبياته عندما أصابته الحمَّى في مصر ولم يجد من يهتم بأمره:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟! بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ؟

أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ

وَكَانَ أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَةً أشْبَاهُ رَوْنَقِهِ الغِيدُ الأمَاليدُ

لم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي شَيْئاً تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ

يا سَاقِيَيَّ أخَمْرٌ في كُؤوسكُما أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟

أصَخْرَةٌ أنَا؟! ما لي لا تُحَرّكُني هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ؟

إذا أرَدْتُ كُمَيْتَ اللّوْنِ صَافِيَةً وَجَدْتُهَا وَحَبيبُ النّفسِ مَفقُودُ

ماذا لَقيتُ منَ الدّنْيَا وَأعْجَبُهُ أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ

وقال في عتاب سيف الدولة الحمداني قبل أن يغادر مصر:

بِمَ التّعَلّلُ لا أهْلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سَكَنُ

أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أنْ يُبَلّغَني مَا لَيسَ يبْلُغُهُ من نَفسِهِ الزّمَنُ

لا تَلْقَ دَهْرَكَ إلاّ غَيرَ مُكتَرِثٍ ما دامَ يَصْحَبُ فيهِ رُوحَكَ البَدنُ

فَمَا يُديمُ سُرُورٌ ما سُرِرْتَ بِهِ وَلا يَرُدّ عَلَيكَ الفَائِتَ الحَزَنُ

وقال المتنبي في رثاء أبا شجاعٍ فاتك:

الحُزْنُ يُقْلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَرْدَعُ وَالدّمْعُ بَيْنَهُمَا عَصِيٌّ طَيِّعُ

يَتَنَازَعانِ دُمُوعَ عَينِ مُسَهَّدٍ هَذا يَجيءُ بهَا وَهَذَا يَرْجِعُ

النّوْمُ بَعْدَ أبي شُجَاعٍ نَافِرٌ وَاللّيْلُ مُعْيٍ وَالكَوَاكبُ طُلَّعُ

إنّي لأجْبُنُ عَن فِراقِ أحِبّتي وَتُحِسّ نَفسِي بالحِمامِ فأشجُعُ

لم يُرْضِ قَلْبَ أبي شُجاعٍ مَبلَغٌ قَبلَ المَمَاتِ وَلم يَسَعْهُ مَوْضِعُ

كُنّا نَظُنّ دِيارَهُ مَمْلُوءَةً ذَهَباً فَمَاتَ وَكلُّ دارٍ بَلقَعُ (البلقع: الخالي والمقفر)

 

أكثر ما أحزن أبا فراسٍ الحمداني شعوره أن ابن عمِّه سيف الدولة تخلى عنه بعد أسره

كان أبو فراس الحمداني فارساً شجاعاً، ومن قادة جيش سيف الدولة الحمداني في معارك الحمدانيين والروم، حيث وقع أسيراً في يد الروم في إحدى المعارك، ولم يكن هذا ما أحزنه بقدر حزنه عندما شعر أنَّ ابن عمِّه سيف الدولة تخلَّى عنه، يقول الحمداني في أبياته المشهورة:

دَعَوْتُكَ للجَفْنِ القَرِيحِ المُسَهّدِ... لَدَيّ، وَللنّوْمِ القَلِيلِ المُشَرّدِ

وَمَا ذَاكَ بُخْلاً بِالحَيَاةِ، وَإنّهَا لأَوّلُ مَبْذُولٍ لأوّلِ مُجْتَدِ

فلا تتركِ الأعداءَ حولي ليفرحوا وَلا تَقطعِ التّسآلَ عَني وَتَقْعُدِ

وَلا تَقعُدنْ عني، وَقد سيمَ فِديَتي، فلَستَ عن الفِعْلِ الكَرِيمِ بِمُقْعَدِ

فكمْ لكَ عندي منْ أيادٍ وأنعمٍ؟ رفعتَ بها قدري وأكثرتَ حُسدي

كذلك الأمر في قصيدته الأشهر على الإطلاق، والتي غنتها كوكب الشرق أم كلثوم بعد مئات السنين:

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ، أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَةُ والفِكْرُ

معللتي بالوصلِ، والموتُ دونهُ، إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ!

حفظتُ وضيعتِ المودةَ بيننا وأحسنَ منْ بعضِ الوفاءِ لكِ العذرُ

وللحمداني أيضاً قوله في الحزن:

الحُزْنُ مُجتَمِعٌ، وَالصّبْرُ مُفْتَرِقُ، والحبُ مختلفٌ عندي ومتفقُ

وَلي، إذا كُلّ عَينٍ نَامَ صَاحِبُهَا، عينٌ تحالفَ فيها الدمعُ والأرقُ

لَوْلاكِ يا ظَبْيَةَ الإنسِ التي نظرَتْ، لما وَصَلْنَ إلى مَكْرُوهيَ الحَدَقُ

لكنْ نظرتِ، وقدْ سارَ الخليطُ ضحى، بِناظِرٍ كُلُّ حُسنٍ مِنْهُ مُستَرَقُ

 

ترك مصطفى لطفي المنفلوطي عدَّة قصائد حزينة تشهد على كآبته

يعتبر الأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي من أبرز الأدباء العرب مطلع القرن العشرين (1872-1924)، حيث كان رجلاً بارعاً في استخدام اللغة وأدواتها براعته في التعبير عن مراده من مفرداتها، ومن آثاره بعض الأبيات التي يشكو فيها حزنه وكآبته، ويعاتب فيها دهره وزمانه، وكأنه قد عجز عن احتمال صروفه، فيقول المنفلوطي:

أودى بي الحُزنُ واغتال الجوى جلدي، وفرَّقَ الشجوُ بينَ الروحِ والجَسَدِ

واستهدَفَتني صُروفُ الدِّهر راميةً تُصوِّبُ النُبلَ نحوَ القلبِ والكبدِ

ما لِلَّيالي إذا سلَّت صوارِمَها بين الخلائِق لا تُبقي على أحدِ

أبيتَ يا دهرُ سيراً للرشادِ وأَن تجرى أموركَ في الدنيا على سَدَدِ

أليسَ يُرضِيكَ أنَّ الناسَ راضيةٌ بما رضيتَ لهم من عيشك النكِد

مُستَسلِمونَ لما لو حَلَّ من أُحُدٍ في شُعبتَيه لَهُدَّت شُعبتا أُحُدِ

رُحماكَ يا دَهرُ بعضَ الارتفاق بنا أَسرفت في ظُلمنا رُحمَاكَ فاقتصِد

وفي موضع آخر، يقول المنفلوطي:

ما زالَ ريبُ الدَّهر ينتابني بالمُعضِلِ الفادحِ فالمُعضِلِ

حتَّى رَماني بالتي لَمْ تَدع إلَّا بقايا الرُّوحِ في هيكَلِ

فها أنا اليومَ طَريحُ الضنى وليسَ غيرَ الصَّبر من معقلِ

في لفحةِ الرمضاءِ لا أتقي وهبَّةِ النكباءِ لا أصطلي

هذا هو البؤسُ فهل من فتىً تمَّ له في البؤسِ ما تمَّ لِي

فيا قريرَ العينِ في دهرِهِ عِشْ نَاعِماً في جدكِ المُقبلِ

الحزن والحب عند المنفلوطي

لم تغب عن شعر المنفلوطي كآبة الحب والألم الذي تولده الأشواق في قلوب العاشقين، حيث يصف المنفلوطي حاله وهو الصبُّ المستهام، كيف أضناه الحبُّ وأتعبه الهوى وهو القوي على الأهوال، يقول المنفلوطي:

جَرَى الدمعُ حتى ليسَ في الجفنِ مَدمَعُ، وقاسيتُ حتَّى ليس في الصبرِ مَطمَعُ

وما أنا من يبكي ولكنَّه الهَوى يريدُ من الأُسدِ الخضوعَ فتخضعُ

فلِلَّه قلبي ما أجلَّ اصطبارَهُ وأثبتَهُ والسيفُ بالسيف يُقرعُ

وللَّه قلبي ما أقلَّ احتماله إذا ما نأى عنه الحبيبُ المودِّعُ

إذا لاحَ لي سيفٌ من الخطبِ رُعتُه، وإنْ لاح لي سيفٌ من اللحظِ أجزَعُ

وأقتادُ لَيثَ الغابِ واللَّيثُ مُخدِرٌ ويقتادني الظبي الغريرُ فأتبَعُ

وليلٍ أضلَّ الفجرُ فيه طريقَه، فلم يدرِ لما ضلَّ من أين يَطلُع

سهرتُ به أرعى الكواكبَ والكَرَى عَصِيٌّ على الأجفانِ والدمعُ طيّعُ

 

ولشعراء العراق أحزانهم الكثيرة

يجد الباحث عن الحزن عند شعراء العراق ما يدمي القلب، فكما تميز الموال العراقي بنبرته الحزينة، كذلك قدم شعراء العراق مجموعة من القصائد الحزينة التي تعتبر نقطة علام مهمة في دفاتر الكآبة، حتَّى نزعم أن كبار شعراء العراق كانوا مصابين بالكآبة، وهذا ما جعلنا نخصص لهم هذه الفقرة، ونبدأها مع أحزان محمد مهدي الجواهري:

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ، أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ؟!

قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا

تَجري على رِسْلِها الدُنيا ويتبَعُها رأيٌ بتعليلِ مَجراها ومُعتقَدُ

أعيا الفلاسفةَ الأحرارَ جهلُهمُ ماذا يخِّبي لهمْ في دَفَّتيهِ غدُ

طالَ التَمحْلُ واعتاصتْ حُلولُهم ولا تزالُ على ما كانتِ العُقَدُ

أحزان الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة

رحماكِ يا أيدي الكآبة ما الذي قد كان منّي؟ ماذا جنيتُ لتعصري قلبي وأحلامي ولحني؟

أبداً تمدِّين الجناح على خيالاتي وفنّي، وتلوِّنين مشاعري بسوادِ آهاتي وحُزني

ويروحُ يصرخُ تحتَ عبئكِ قلبي المتمرِّد، قلبي الذي ذاق الوجود به وعذّبه الغد

قلبي الكئيب المستطار الشاعر المتنّهد، يحيا على ظمأ الحياة فأين أين المورد؟

كم شاعر عَبَدَ الحياةَ وعاش يشدو بالجمالِ؟!، أبداً يغرِّد للطبيعة والكآبة والخيالِ

حتى إذا طلع الصباح على الصحاري والتلالِ، عثر الضياء على فتى مسجى على كثب الرمالِ

نّمت عليه كآبة لم يمحها الموت الرهيبْ، ووشت به عينان ران عليهما اليأس المُذيبْ

وإلى يمين رفاته قيثارة الساجي الكئيبْ، حفظ الوفاء لمن خبت ألحانه وذوى اللهيبْ

أسفار أيوب للشاعر العراقي بدر شاكر السيَّاب

يأخذنا السيَّاب في رحلة حزينة بين الصبر والألم في واحدة من أبرز قصائده بعنوان (سفر أيوب)، وهي مجموعة من القصائد التي كتبها السيَّاب في لندن أثناء رحلة علاجية من مرض مجهول أدى إلى ضمور جسده، ووفاته في نهاية المطاف عام 1964، ومن هنا جاءت استعارة قصة النبي أيوب، يقول السيَّاب:

شهور طوال وهذي الجراح تمزِّق جنبي مثل المُدى

ولا يهدأ الداء عند الصَّباحِ ولا يمسحُ اللَّيلُ أوجاعَهٌ بالرَدَى.

ولكنَّ أيوب إنْ صاحَ صاح:

(لكَ الحمد، إنَّ الرزايا ندى وإنَّ الجراح هدايا الحبيبْ

أضمُّ إلى الصَّدر باقاتها... هداياك في خافقي لا تغيبْ.

هداياكَ مقبولة... هاتها)

أشدُّ جراحي وأهتف بالعائدين: ألا فانظروا واحسدوني، فهذى هدايا حبيبي

وإن مسَّت النار حرَّ الجبين توهّمتُها قُبلةً منكَ مجبولةً من لهيبِ.

ومن أسفار أيوب للسيَّاب أيضاً:

أيُّها الثَّلجُ رحماكَ إني غريبْ

في بلادٍ من البردِ والجوعِ سكرى

إنَّ لي منزلاً في العراقِ الحبيبْ

صبْيَتي فيه تعلكُ صخرا

آهٍ لولاكَ يا داءُ ما عفتُ داري

ما تركتُ الزُّهورَ التي فتَّحتْ في جداري

والعصافير في ركن بيتي لهن اختصامْ

مرَّ يومٌ... فشهرٌ... فعامْ

 

فقد الشاعر اليمني عبد الله البردوني البصر في الخامسة من عمره

يعتبر الشاعر اليمني الراحل عبد الله البردوني من ألمع شعراء اليمن في العصر الحديث، وللبردوني قصائد في موضوعات مختلفة أبرزها ما نظمه في السياسة، لكن مع البردوني تستوقفنا بعض النصوص التي تفضح ما كان يشعر به من الحزن والأسى، كقوله في قصيدة (يا عروس الحزن):

كلَّما غنَّت بكتْ نغمتها وتهاوى القلب في الآه شظايا

هكذا غنَّت وأصغيتُ لها وتحمَّلتُ شقاها وشقايا

يا عروس الحزن ما شكواكِ؟ من أيّ أحزانٍ و من أيّ البلايا؟

ما الذي أشقاكِ يا حَسْنا؟ و هل للشقا كالناس عمرٌ ومنايا؟

هل يموتُ الشرُّ؟ هل للخير في زحمة الشرِّ سماتٌ ومزايا؟

وجهة نظر عبد الله البردوني في الدنيا:

كيف تعطي أمّنا الدُّنيا المُنى، وهي تطوي عن أمانينا العطايا

و لقومٍ تحمل البذل كما، يحملُ إلى الحسنا الهدايا

هل هي الدنيا التي تحرمني؟ أم تراخت عن عطاياها يدايا؟

أنا حرماني وشكوى فاقتي، أنا آلامي ودمعي وأسايا

لم يرع قلبي سوى قلبي أنا، لا ولا عذّبني شيء سوايا !

جارتي ما أضيق الدنيا إذا لم تشقّ النفس في النفس زوايا

ومن أحزان البردوني أيضاً:

كئيب بطيء الخُطى مؤلمُ، يسير إلى حيث لا يعلمُ

ويسري.. ويسري فلا ينتهي سراه و لا نهجه المظلمُ

وتنساب أشباحه في السكون حيارى بخيبتها تحلمُ

هو اللّيل في صمته ضجّة وفي سرِّه عالمٌ أبكمُ

كأنَّ الصبابات في أفقه تئنُّ فترتعش الأنجمُ

حزينٌ غريقٌ بأحزانه، كئيبٌ بآلامه مفعمُ

كأنَّ النجوم على صدره جراحٌ يلوحُ عليها الدَّمُ.

 

ومن الشعراء أيضاً من حاول أن يقدم النصح للتخلص من الحزن والكآبة

لا تنتهي أحزان الشعراء، منهم من يواسي نفسه ويدعوها لتصبر على الأسى، ومنهم من يرى في الألم مدخلاً إلى الفرج، على غرار قول مصطفى صادق الرافعي: (ربما دها حزنٌ ،فيهِ راحة المهجِ... والذي يُقَدِّرهُ قادرٌ على الفرجِ)، كما نجد هذه الحكمة عند الإمام الشافعي حين يقول:

وَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرورُ ولا بؤسٌ عليكَ ولا رخاءُ

وَمَنْ نَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ الْمَنَايَا فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماءُ

وأرضُ الله واسعةً ولكن إذا نزلَ القضا ضاقَ الفضاءُ

الشاعر المهجري إلياس فرحات في اليأس والصبر

فَلاَ تَسْأَلُوا عَنِّي وَحَظِّـي فَإِنَّنَـا، أَمْثَالِ أَهْلِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ مَضْرَبُ

طَوَى الدَّهْرُ مِنْ عُمْرِي ثَلاثِينَ حِجَّةً طَوَيْتُ بِهَا الأَصْقَاعَ أَسْعَى وَأَدْأَبُ

أُغَرِّبُ خَلْفَ الرِّزْقِ وَهْوَ مُشَـرِّقٌ، وَأُقْسِمُ لَوْ شَرَّقْـتُ كَانَ يُغَـرِّبُ!

أقُولُ لِنَفْسِي كُلَّمَا عَضَّهَا الأَسَـى فَآلَمَهَا: صَبْرَاً فَفِي الصَّبْرِ مَكْسَبُ

لِئَنْ كَانَ صَعْبَاً حَمْلُكِ الْهَمَّ وَالأَذَى فَحَمْلُكِ مَنَّ النَّاسِ لاَ شَكَّ أَصْعَبُ

لكن اليأس وصل بالبعض إلى طريق مسدود

على الضفة الأخرى، نجد من ضاق بيأسه ولم يجد فسحة الأمل التي وجدها الشافعي، ومن بعده الرافعي وإلياس فرحات، وهو ما وجدناه عند نازك الملائكة في القصيدة التي أوردناها أعلاه، وما نجده عند الشاعر الليبي الراحل إبراهيم الأسطى عمر واصفا اليأس:

ما للدموع تسيل مِنِي في المجالس كاليتيمِ

ما لي ألفتُ الحزنَ لا أُصغي إلى الصوتِ الرخيمِ

صوتُ النواحِ ألذُّ عِندِي من فكاهات النديمِ

الخريف الحزين للشاعر إبراهيم ناجي

يا حبيبي غيمة في خاطري، وجفوني وعلى الأفق سحابةْ

غفر اللهُ لها ما صنعتْ كلَّما شاكيتها تندى كآبةْ

صرخ القفرُ لها منتحِباً، وبكى مستعطفاً مما أصابهْ

فأصمَّ الغيثُ عنهُ أذنَهُ، ما على الأيام لو كان أجابهْ؟!

حوار مع لورد بايرون للشاعر نجيب سرور

يخاطب الشاعر في هذه القصيدة الشاعر الإنجليزي الرومانسي المعروف اللورد جورج بايرون (Lord Byron1788-1824)، والذي اتسع حزنه حتَّى صار هو الحزن كله، يقول نجيب سرور:

الحزن يأتي في المسا كأنَّه الخفاش ..

يضرب حائراً في الصدر ، يقذفه الجدار إلى الجدار .

الحزن ليس هو الصراخ: "أنا .. أنا "

كم كنت تكره هذه الأفعى " أنا " !

الحزن ليس هو النواح لأن حبّاً قد فشل!

ولأُنَّ خِلاَّ كان في أحضان خِلَّ وارتحل، ولأن طالعنا زحل

ولأن آمالاً كما الآجر من قش وطين .. ذابت وضاعت تحت إطار السنين !

الحزن حزنك يا معلم... حزن عريض كالمحيط، حزن عميق كالمحيط

حزن يحيط بكلِّ أحزان البشر !

أحزان الشاعر زكي مبارك وشكواه

مولايَ لو أبصرتني لفزعت من دمعي الطليقْ

وشجاك جسمي ناحلاً وكأنَّه الطيفُ الطروقْ

أشكو إليك وإنما يشكو المضيم إلى الشفيقْ

فارحم فديتك مهجةً أودى بها الحزن العميق

 

وللحزن والألم مع الأوطان معانٍ مختلفة

إلى جانب همومهم الشخصية وآلامهم، لا يستطيع الشعراء إلَّا أن يتألموا لأجل بلادهم وشعوبهم، وقد اخترنا لكم مجموعة من القصائد التي يعبر فيها الشعراء عن آلامهم الوطنية، والتي تعتبر في رأينا من أهم القصائد التي كتبت عن أحزان المدن والبلاد، سنتعرف عليها معاً:

نزار قباني وحزب الحزن الوطني

إذا كان الوطنُ منفيّاً مِثْلي..

ويفكّر بشَراشِفِ أُمّهِ البيضاء مِثْلي..

وبقطّةِ البيت السوداء، مِثْلي..

إذا كان الوطنُ ممنوعاً من ارتكاب الكتابة مثلي

وارتكاب الثقافة مِثْلي

فلماذا لا يدخُلُ إلى المِصَحَّة التي نحنُ فيها؟

لماذا لا يكونُ عضواً في حزب الحزنْ

الذي يضمُّ مئةَ مليون عربي؟؟؟

فلسطين في آلام الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري

لو استطعتُ نشرتُ الحزنَ والألما على فِلسْطينَ مسودّاً لها علما

ساءت نهاريَّ يقظاناً فجائعُها، وسئن ليليَ إذ صُوِّرْنَ لي حلما

رمتُ السكوتَ حداداً يوم مَصْرَعِها فلو تُرِكتُ وشأني ما فتحت فما

أكلَّما عصفت بالشعب عاصفةٌ هوجاءُ نستصرخُ القرطاسَ والقلما؟

هل أنقَذ الشام كُتابٌ بما كتبوا أو شاعرٌ صانَ بغداداً بما نظما

فما لقلبيَ جياشاً بعاطفةٍ لو كان يصدقُ فيها لاستفاضَ دما

حسب العواطف تعبيراً ومنقصةً أنْ ليس تضمنُ لا بُرءاً ولا سقما

فاضت جروحُ فِلَسْطينٍ مذكرةً جرحاً بأنْدَلُسٍ للآن ما التأما

وما يقصِّر عن حزن به جدة، حزن تجدده الذكرى إذا قَدُما

الشاعر المصري فاروق جويدة وبيروت

ما زلنا نناجيكِ...

برغم الخوف والسجان والقضبان، ما زلنا نناديكِ

برغم القهر والطغيان يا بيروت، ما زالت أغانيكِ...

وكل قصائد الأحزان يا بيروت، لا تكفي لنبكيكِ

وكل قلائد العرفان تعجز أن تحييكِ

فرغم الصمتِ ما زالت مآذننا تكبر في ظلام الليل..

تشدو في روابيك

وما زالت صلاة الفجر يا بيروت، تهدر في لياليك

الشاعر العراقي أحمد مطر وحزنه الثقيل

أيّها الحُـزنُ الذي يغشى بِـلادي... أنا من أجلِكَ يغشاني الحَـزَنْ

أنتَ في كُلِّ مكـانٍ، أنتَ في كُلِّ زَمـَنْ .

دائـرٌ تخْـدِمُ كلّ الناسِ مِـنْ غيرِ ثَمـَنْ .

عَجَبـاً منكَ .. ألا تشكو الوَهَـنْ؟!

أيُّ قلـبِ لم يُكلّفكَ بشُغلٍ؟، أيُّ عيـنٍ لم تُحمِّلكَ الوَسَـنْ؟

ذاكَ يدعـوكَ إلى استقبالِ قَيـدٍ، تلكَ تحـدوكَ لتوديـعِ كَفَـنْ .

تلكَ تدعـوكَ إلى تطريـزِ رُوحٍ، ذاكَ يحـدوكَ إلى حرثِ بَـدَنْ .

مَـنْ ستُرضي، أيّها الحُـزنُ، ومَـنْ؟!

وَمتى تأنَفُ من سُكنى بـلادٍ أنتَ فيهـا مُمتهَـنْ ؟!

(إنّني أرغـبُ أن أرحَـلَ عنهـا

إنّمـا يمنعُني حُـبُّ الوَطـنْ!)

سميح القاسم ورائعته (أشدُّ من الماء حزناً)

أشدُّ من الماء حزناً...

تغربت في دهشة الموت عن هذه اليابسةْ

أشدُّ من الماء حزناً...

وأعتى من الريح توقاً إلى لحظة ناعسةْ

وحيداً. ومزدحما بالملايين،

خلف شبابيكها الدامسةْ

(...)

لك المنشدون القدامى... لك البيد. لاسمك سر الفتوحات

لاسمك جمر الهواجس تحت الرماد..

وأنت افتتحت العصور الحديثة بالحلم

كابدت علم النجوم وفن الحدائق، وأتقنت فقه الحرائق

وداعبت موتك: حرى جهاز التنفس، للدورة الدموية ما تشتهي.

وأيقنت أنك بدء.. ولا ينتهي

ولا ينتهي.. ويضيق عليك الخناق ولا ينتهي

وتتسع الثغرات الجديدة في السقف

جدران بيتك تحفظ عن ظهر قلب وجوه القذائفْ

وأنت بباب المشيئة واقفْ

وصوتك نازفٌ، وصمتك نازفْ

تلم الرصاص من الصور العائلية

وتتبع مسرى الصواريخ في لحم أشيائك المنزليةْ

وتحصي ثقوب شظايا القنابل في جسد الطفلة النائمةْ

وتلثم شمع أصابعهما الناعمةْ

على طرف النعش، كيف تصوغ جنون المراثي؟

وكيف تلم مواعيد قتلاك في طرق الوطن الغائمةْ؟

وتحضن جثة طفلتك النائمةْ؟

أشدٌّ حزناً من كلِّ شيء!

لا... لا تصدق كلام الرواة ولا ما تقول الأساطير

أنتَ ولدت من الحزن، في الحزن، للحزن.

أنتَ ولدت لتمكث في الأرض، لكن لتمكث فيها قتيلا

حزيناً أشد من الحزن حزنا

أشد من الماء حزنا..أشد من الرمل حزنا

أشد من النخل حزنا

وأدخلك الله في التجربة

أشد من الموت حزنا، أشد من الحزن حزنا

وأدخلك الله في التجربة

أشد من الرمل والنخل والحزن والموت حزنا

بعيداً.. على مقربةْ، وأدخلك الله في التجربْ

أشد من الماء حزنا... أشد من الماء حزنا... أشد من الماء حزنا

ختاماً... تختلف أسباب الحزن من شاعرٍ لآخر، كذلك تختلف طريقة التعامل مع هذا الحزن ووصفه، فقد رأينا الخيبة وقد كسرت ظهوراً، وأدمت قلوباً، كما رأينا الصبر وقد ساند الحزانى، ولا ننسى الأحزان الجماعية والهموم التي تجاوز بها الشعراء ذواتهم الكئيبة.