الاعتراف الرسمي باللغة الكردية: خطوة نحو العدالة الثقافية

  • تاريخ النشر: الأحد، 18 يناير 2026 زمن القراءة: دقيقتين قراءة

الاعتراف باللغة الكردية في سوريا: تحول نحو الانتماء والعدالة والاندماج الوطني

مقالات ذات صلة
فيفا تدرس اعتماد اللغة العربية ضمن لغاتها الرسمية
في اليوم العالمي للغة الصينية.. لغة الثقافة والتكنولوجيا
الابتسامة ليست لغة عالمية: رحلات وتواصل عبر الثقافات

اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي هوية وذاكرة وحق في الوجود. وفي منطقتنا، تُجسّد اللغة الكردية هذا المعنى بوضوح، فهي لغة يتحدث بها ملايين الأشخاص، لكنها ظلت لعقود خارج إطار الاعتراف الرسمي في بعض الدول التي تُعد جزءًا من نسيجها الاجتماعي.

اليوم، تغيّر هذا الواقع.

يمثّل المرسوم الرئاسي السوري القاضي بالاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية محطة تاريخية وثقافية تتجاوز بعدها اللغوي، لتلامس قضايا الانتماء والعدالة والاندماج الوطني.

لغة صمدت رغم التهميش

يتحدث اللغة الكردية ما بين 30 إلى 40 مليون شخص، ما يجعلها واحدة من أكبر اللغات في العالم غير المرتبطة بدولة قومية مستقلة. وتنتمي الكردية إلى الفرع الإيراني من اللغات الهندوأوروبية، ما يجعلها أقرب لغويًا إلى الفارسية منها إلى العربية أو التركية.

ورغم التهميش السياسي والمؤسسي، حافظت اللغة الكردية على حضورها عبر الأغاني والشعر والرواية الشفهية والتعليم المجتمعي، في تعبير واضح عن قوة الهوية الثقافية وقدرتها على الصمود.

لهجات متعددة وأنظمة كتابة مختلفة

ليست الكردية لغة موحّدة شكليًا، بل مجموعة من اللهجات المرتبطة جغرافيًا وتاريخيًا، أبرزها:

  • الكرمانجية
    الأكثر انتشارًا، وتُستخدم في سوريا وتركيا، وتُكتب بالأبجدية اللاتينية.

  • السورانية
    تُستخدم في إقليم كردستان العراق وغرب إيران، وتُكتب بالأبجدية العربية المعدّلة، وهي لغة رسمية في مؤسسات الإقليم.

  • البهلوية (الكردية الجنوبية)
    أقل تقنينًا، وتعتمد بشكل كبير على التداول الشفهي.

  • الزازاكية
    تُستخدم في شرق تركيا، وتُكتب باللاتينية، وتُعد لغويًا متميزة مع ارتباطها الثقافي بالهوية الكردية.

هذا التنوع يجعل الاعتراف الرسمي خطوة عملية تتطلب تخطيطًا مؤسسيًا، لا مجرد إعلان رمزي.

من الهامش إلى الفضاء العام

على مدى عقود، لم تحظَ اللغة الكردية في سوريا بمكان في التعليم الرسمي أو الإعلام أو الوثائق الحكومية. ومع ذلك، استمرت في الحياة اليومية للمجتمع الكردي.

اليوم، يغيّر الاعتراف الرسمي هذا الواقع، ناقلًا اللغة من المجال الخاص إلى الفضاء العام، وممهّدًا الطريق لاستخدامها في التعليم والإدارة والثقافة.

دلالة إقليمية أوسع

تؤكد هذه الخطوة أن التعدد اللغوي لا يتعارض مع وحدة الدولة، بل يعززها. فالدول التي تعترف بتنوعها الثقافي واللغوي غالبًا ما تكون أكثر تماسكًا واستقرارًا.

وبذلك، تنضم سوريا إلى دول قليلة في المنطقة خطت خطوات رسمية في هذا الاتجاه، في رسالة مفادها أن الاعتراف بالهوية لا يُضعف الدولة، بل يقويها.

ما بعد اللغة

في جوهره، هذا القرار ليس لغويًا فقط، بل هو اعتراف بالكرامة والانتماء. فاللغات إما أن تُهمَّش حتى تذبل، أو تُعترف بها فتزدهر.

وبهذا الاعتراف، تبدأ اللغة الكردية مرحلة جديدة مرحلة الحضور المؤسسي، بعد عقود من الاكتفاء بالبقاء.

وقد يُسجّل التاريخ هذه اللحظة لا كقرار لغوي فحسب، بل كنقطة تحوّل نحو مستقبل أكثر شمولًا، يُعبَّر عنه بالكلمات… وبالاعتراف.