الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي في المنظومة التشريعية
تطور الدور القانوني للأنظمة الذكية بين المسؤولية التقليدية والمفاهيم التقنية المستجدة
يدور في فضاءات المجال القانوني مؤخراً نقاشات متزايدة حول المَركز القانوني للأنظمة الذَّكية الَّتي أصبَحت تُمارِس أدواراً تَتَجَاوَز حُدود التَّنفيذ البَرمَجيّ التَّقليدي. فَمَع تَطوُّر تِقَنيّات الذَّكاء الاصطناعي القادرة على المُعالجة المستقلة واتّخاذ القرار وتنفيذه في مجالات عملية مُتَنوّعة، يبرز سؤال جوهري يتعلَّق بطبيعة المسؤولية القانونية المرتبطة بأفعال هذه الأنظمة، ومدى الحاجة إلى تطوير مفاهيم الشخصية القانونية لتستوعب هذه المستجدَّات التقنية.
من الأداة التقنية إلى الفاعل المؤثر
لم يعد الذكاء الاصطناعي اليوم، مجرد وسيلة تنفذ أوامر محددة سلفاً من قبل مطوّرها أو مشغّلها، بل تحوَّل إلى منظومات تَحليلية تَتَفاعل مع البيانات التي تتلقاها تلقائياً أو بواسطة المستخدم وتعيدُ إنتاج سلوكها وفق المعطيات المتغيرة. ويظهَر أثَر ذلك بوضوح في تطبيقات كالقيادة الذَّاتية، وإبرام العُقود الإلكترونية، وإدارة العمليات ذاتِ الطَّابع التَّشغيلي المُعقد. إنَّ هذا التَّحول المُتَسَارِع يَضَع القَانون أمام حالة مُستَجدّة: قَرارات مؤثِّرة تصدر عن أنظمة لا يتدخل الإنسان في كل تفاصيل عملها بصورة مباشرة.
تطور مفهوم الشخصية القانونية
عَرَّفت النُّظم القانونية تَقليدياً نوعين من الشخصية القانونية:
- الشخصية الطبيعية: وهي الممنوحة للإنسان بوصفه صاحب إرادة وفاعل لديه القدرة على تحمل الالتزام ومن الممكن تكليفه بالالتزام بقواعد قانونية وتَحميله مَسؤولّية مخالفتها.
- الشخصية الاعتبارية: وهي المُقرَّرة لكيانات ذات وجود قانوني مستقل كالشركات والمؤسسات والهيئات يفرض على مديريها وأو مالكيها أو ممثليها تبعات قانونية لما ينجم عن سلوكها من مخالفات للقانون.
ومع ظهور الأنظمة الذكية المستقلة نسبياً، يَطرَحُ بَعض الباحثين تصوراً جديداً لما يمكن تسميته “الشَّخصية التِّقنية”، بوصفها حالة قانونية مُحتَمَلة لِكَيان غَير بَشري يُمارس أفعالاً ذات أثر قانوني من خلال آليات تَشغيل مُستقلة جزئياً وفي بعض الأحيان كليّاً عن الإنسان. ويثير هذا الطَّرح تساؤلاً حول مدى إمكانية القياس على الشخصية الاعتبارية، ولا سيما أن القانون اعترف سابقاً بكيانات لا تمتلك وعياً إنسانياً لكنها تتمتع بذمة قانونية مُستَقلّة.
إشكالية المسؤولية القانونية
تنتج عن أفعال الأنظمة الذكية ثلاث قضايا مركزية في مجال المسؤولية:
- نسبة الإرادة إلى الفعل: هل يمكن إسناد نية قانونية إلى نظام يعمل ويستجيب للمؤثرات الخارجية وفق خوارزميات؟
- الفاعلية القانونية: هل يجوز اعتبار الذكاء الاصطناعي طرفاً في التَّعاقُد أو الخُصُومة؟
- تحديد المسؤولية والتعويض: كيف توزع المسؤولية بين المبرمج والمستخدم والجهة المشغلة، وهل يمكن تحميل النظام ذاته عبئاً مالياً أو قانونياً؟
وهنا تَكشفُ هذه الإشكاليَّات عَن فجوة لا يُستَهانُ بها بين البناء التَّقليدي للمسؤوليّة القانونيّة القائم على الفعل الإنساني، وبين واقع تقني تنتج فيه الأفعال من خلال عمليات لا علاقة للإنسان بها بصورة مباشرة.
الاتجاهات القانونية العالمية
وتتوزع المواقف القانونية الراهنة بين ثلاث اتجاهات رئيسية:
- الاتجاه المحافظ: يُبقي هذا الاتجاه الذكاء الاصطناعي في إطار الأداة التقنية، ويُحَمِّل الإنسان كامل المسؤولية عن أيّ آثار أو أضرار تَنجُم عن أفعال هذه الآلة أو الأداة.
- الاتجاه التقدمي: الذي يَقتَرِح مَنَحَ الأنظمة الذَّكية شخصية قانونية مَحدودة تتيح لها تَحمُّل بعض الالتزامات، مع استمرار الجدل حول آليَّات التَّنفيذ والذّمة المَالية.
- الاتجاه الوسطي: يتبنَّى أصحابُ هذا الاتّجاه نَموذج المَسؤولية المُشتركة وفق مِعيار يربط بين درجة تَدَخُّل الإنسان ومُستَوى استقلاليّة النَّظام، ويُعَدُّ هذا الاتِّجاه أقرَب الخيارات للتَّطبيق العَملي حَالياً.
ملامح إطار تشريعي مُقترَح
تَتّجه العَديد مِنَ الدِّراسات التَّشريعية الحَديثة إلى اقتراح أدَوات تَنظيميّة تَستَجيب للتَّحوّلات التقنية دون تعطيل الابتكار وعرقلة مسيرته، ومن أبرزها:
- إنشاء سجل للأنظمة الذَّكية يُحدِّد السّياسات التَّشغيلية ونطاق الاستخدام وحدود الاستقلالية.
- تأسيس جهة رقابية مختصة بمنح التراخيص ومتابعة الامتثال للقوانين والأنظمة.
- تطوير نماذج تعاقدية رَقَميّة تَتَضَمَّن قواعد تَنظيميّة مُدمجة تؤمن لحماية المجتمع والمنظومات من آثار الأنظمة الذكية وتؤمن امتثال كل من المطور والمشغل والمستخدم الأخير للتقنية.
- تعزيز التَّعاون التَّشريعي الدُّولي نَظراً للطَّبيعة العابرة للحدود لهذه التقنيات وانتقال تأثيرها على امتداد جغرافيا العالم كُلِّه.
إن مكانة الذكاء الاصطناعي في مجالات اتخاذ القرار، تَفرِض مراجعة عدد من المَفَاهيم القانونّية التّقليدية، وبخاصة ما يتعلق بالفاعلية والمسؤولية. ويَبدو أنّ المَرحلة المُقبِلة سَتَعتَمِد على مقاربة تَشارُكيّة بَينَ المُختَصّين في القَانون والتّقَنيَة والاقتصاد، بِهَدف صِياغة إطار قَانوني مَرِن وَعَمَلي يَستَوعِب الفَاعل التِّقني الجَديد ويُحافِظ فِي الوَقتِ ذاتِه عَلى مُتَطلَّبَات العَدالة وحمايةِ الإنسان مِن آثار هَذه التِّقَنية.
-
المحتوى الذي تستمتع به هنا يمثل رأي المساهم وليس بالضرورة رأي الناشر. يحتفظ الناشر بالحق في عدم نشر المحتوى.
هل لديكم شغف للكتابة وتريدون نشر محتواكم على منصة نشر معروفة؟ اضغطوا هنا وسجلوا الآن !
انضموا إلينا على منصتنا، فهي تمنح كل الخبراء من كافة المجالات المتنوعة الفرصة لنشر محتواهم . سيتم نشر مقالاتكم حيث ستصل لملايين القراء المهتمين بهذا المحتوى وستكون مرتبطة بحساباتكم على وسائل التواصل الاجتماعي!
انضموا إلينا مجاناً!