صورة الفلسطيني في الرواية اللبنانية

  • تاريخ النشر: الخميس، 16 يونيو 2016 | آخر تحديث: الأربعاء، 22 يونيو 2016
مقالات ذات صلة
صورة الفلسطيني في السينما الهوليودية
أكثر 9 روايات مبيعًا حول العالم
جوجل يحتفل بذكرى ميلاده.. بالصور تعرف على عبقري الرواية العربية
رشا عبدالله سلامة
 
أتحدث في هذه المادة عن صورة الفلسطيني في الرواية اللبنانية، وتحديداً من خلال روايتين هما "باب الشمس" للبناني إلياس خوري، ورواية "طابق 99" للبنانية جنى الحسن، وحريّ بي التنويه لكون الفاصل الزمني بين الروايتين يقارب الستة عشر عاماً تقريباً وهو ما أفضى لمنهجية تناول مختلفة تماماً، وخصوصاً أن الكاتبين من جيلين متباعدين، وقد تعمّدت اختيار هاتين الروايتين لأجل استعراض صورة الفلسطيني لدى جانبين مختلفين من حيث سعة التجربة وتوقيتها؛ إذ خوري كان مقاتلاً مع الفلسطينيين وليس أديباً فحسب، فيما جنى الحسن وُلِدت بعد خروج الفدائيين من بيروت بحوالي ثلاثة أعوام ما يعني أن تجربتها تعتمد على البحث وسماع الانطباعات بعكس خوري الذي يتحدث على ضوء واقع عاشه ذات يوم.
 
طبعاً لا يمكن فصل فلسطين عن لبنان؛ ذلك أن البلدين جزء من بلاد الشام الكبرى، كما أن الموقع وتشابه الطبيعة الجغرافية، بالإضافة لتواجد مخيمات فلسطينية كثيرة فيها، عدا عن استضافتها لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ مطلع السبعينيات حتى الخروج الملحمي في العام 1982، يجعل من فصل البلدين أمراً مستحيلاً. فوق هذا وذاك، وبعيداً عن موقف الكتائب المارونية التي اقترفت مجازراً بشعة بالفلسطينيين، فإن لبنانيين كثر من الحركة الوطنية وغيرها وقفوا مع الشعب الفلسطيني في نضالاته، واختلطوا معه بالمصاهرة، بل كثير من العائلات ما تزال مقسومة بين الشمال والساحل الفلسطيني على وجه التحديد وبين لبنان.
بداية، يجدر بي استعراض بعض الملابسات التاريخية عن وجود الفلسطيني في لبنان؛ لأجل أن تكون الصورة الواردة في الروايتين واضحة وحتى لا تظهر بعض المشاهد السلبية في الروايات اللبنانية صحيحة مائة بالمائة.
 
ثمة من ألصق بالفلسطينيين تهمة إشعال الحرب الأهلية في لبنان، وثمة من وجد فيهم إخلالاً بالمعادلة السكانية والدينية الحساسة في لبنان، وثمة من جعل من بعض التصرفات الاستثنائية لفدائيين فلسطينيين ذريعة للفتك بالمدنيين في المخيمات. الحكاية معقدة جداً، وما يزيد من تعقيدها هو غياب البحث الجاد من قِبل منظمة التحرير الفلسطينية، بل إن مجزرة مثل صبرا وشاتيلا لم يصدر بشأنها أي تقرير رسمي من قِبل منظمة التحرير كما لم تشكّل أي لجنة تحقيق من طرفها في الأمر.
 
 
هناك من باحثينا من تصدّى للمهمة، وعلى رأسهم الشاعر الدكتور عز الدين المناصرة، الذي أجد موسوعته "الثورة الفلسطينية في لبنان" واحدة من أهم ما قد يرفد رواية الفلسطينيين ويدعّمها بأرقام وحقائق وإثباتات.
 
لأجل إيضاح حقيقة الأمر لا بد من اقتباس بعض تفنيدات المناصرة. منها أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تتخذ في يوم من الطابع الديني منهجاً لها، بل هي حركة ضمّت أطيافاً عدة من الديانات والأصول، بالإضافة لكونه لم ترد عنها ولو حادثة واحدة حاولت من خلالها تكريس أي صبغة دينية معينة في المجتمع اللبناني، كما أن مذبحة مخيم ضبيّة على سبيل المثال، نالت من فلسطينيين مسيحيين؛ إذ تجمّع أهلنا من الديانة المسيحية في هذا المخيم منذ اللجوء للبنان، وعلى الرغم من هذا لم يسلم المخيم من الكتائب، ما يرمز لكون إخلال الفلسطينيين بالمعادلة الدينية للبنان مجرد حجة واهية لما حصل فيما بعد.
 
يوغل المناصرة أكثر فأكثر فيقول بأن أقل حق للفلسطينيين الذين أجبرتهم الظروف على الالتجاء للبنان هو تأمينهم في مخيمات تضمن حداً أدنى من العيش الكريم، وليس كما قال بشير الجميّل بأن هذه المخيمات ستصبح بعد إزالة الفلسطينيين عن الوجود حدائقاً للحيوانات وملاعباً للتنس، وجميّل هو بالمناسبة من قال بأن ثمة شعب زائد عن الحاجة في بلاد الشام وهو الشعب الفلسطيني. يقول المناصرة بأن عائلات إقطاعية لبنانية كثيرة كانت قد تورّطت ببيوعات لأراضي جليلية بل وقرى بأكملها. من بين هذه العائلات عائلة سرسق وعائلة تويني وغيرهما، بل إن صديق من الجليل ذكر لي أن قريته الأصلية أم قبي- قضاء الناصرة مُنيت بنكبة قبل النكبة الأصلية حين بيعت أراضيها بالكامل وأُجليَ فلاحيها وسكنوا بمحاذاتها بسبب بيع إقطاعي لبناني لها في العام 1897.
 
من أراد سماع اعترافات الكتائب اللبنانية حول طبيعة المجازر التي تم اقترافها فليسمتع لشهادات جوزيف أبو خليل التي جاءت بعد فوات الأوان، ومن أراد معرفة حجم الإسهام الفلسطيني الإيجابي في لبنان فليعُد لمقالة مهمة كتبها طلال السلمان بعنوان "الفلسطينيون جوهرة الشرق الأوسط" والمنشورة في جريدة السفير اللبنانية، والتي يتحدث فيها عن نهوض الفلسطينيين بالفن والاقتصاد والحقل الأكاديمي وعلى الأصعدة كلها. 
 
لقد تمت شيطنة صورة الفلسطيني في لبنان كثيراً، وتم إلصاق كثير من التهم بهم زوراً ولتسويغ ما سيأتي لاحقاً.
 
لا شكّ بأن ممارسات سلبية كثيرة كانت هنا وهناك بدرت من فدائيين فلسطينيين، لكنها لا تمثّل موقف منظمة التحرير الفلسطينية، ولا تعبرّ إلا عن نفسها، مع ضرورة التنويه لكون عناصر مدسوسة كثيرة كانت تتعمد دوماً القيام بتصرفات عبثية وإلصاقها بالفلسطينيين، عدا عن كون هذه التصرفات السلبية لبعض الفدائيين الفلسطينيين ليست ذريعة البتة للنيل من مدنيّين عُزّل كما حدث في المخيمات الفلسطينية بمجرد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، بل وحتى قبل كما حدث في مخيم تل الزعتر وضبيّة وغيرها.
 
 يذهب المناصرة مثلاً للاعتقاد بأن هذه المذابح التي جرت للمدنيّين في المخيمات كانت مقصودة مائة بالمائة. يقول بأن نسوة كن يصرخن عند خروج الفدائيين من لبنان، قائلات "لمن تتركوننا؟ للذئب والغول؟"، ومنهن من كن يصرخن "لا تتركونا لوحوش لا يرحمون"، يقول "لم أعرف بطبيعة الحال إن كن على قيد الحياة أم أكلتهن الوحوش في صبرا وشاتيلا، ودُفنّ في مكان مجهول. إنها مذبحة قتل الشهود؛ فمعظمهن من قرى وبلدات ومدن شمال فلسطين".
 
من هنا تأتي أهمية رواية "باب الشمس" لخوري. أنا شخصياً كفلسطينية لم أكن قد وُلدت إبّان مرحلة لبنان، ولم أعرف عن معظم البلدات والقرى والمدن الشمالية الفلسطينية وتحديداً الموجودة في الجليل إلا من رواية خوري. لأول مرة كنت أسمع عن الكويكات والغابسية ودير الأسد وغيرها. 
 
طبعا مدخل الرواية كان ذكياً؛ إذ جاء انثيال الذكريات من خلال طبيب يساهر مناضلاً يدخل في غيبوبة، وهو المناضل يونس الأسدي، الذي كان يتسلّل للجليل لملاقاة زوجته نهيلة في مغارة باب الشمس، التي لم يدنّسها الاحتلال و لا مرة، وهناك كان ينجب وزوجته أطفالاً، ومن ثم يعود هو للبنان وتبقى هي مرابطة في الجليل. 
 
 
لأول مرة كان الفلسطيني بهذا المظهر القوي: هو من يختار متى يرحل عن وطنه، وهو القادر على العودة له متى شاء، وهو القادر على مخادعة الاحتلال والنيل منه، بل والعمل على استمرار الحياة رغماً عن أنفه. 
 
الفلسطيني في رواية خوري كان صاحب كوميديا سوداء، وكان فظاً في مرات كثيرة، وكان في مرات شخصاً غير سوياً حتى في أكثر علاقاته خصوصية؛ إذ كان مثلا يستخدم السلاح في داخل بيته وغرفته ! كان خوري يكتب عن الفلسطينيين بارتياح تام لأنه كان بينهم، وكان يظهر بمظهر الواثق تماماً حين يتعلق الأمر بتناول شخصية المقاتل الفلسطيني، فيما كان ينسب كل الحكايات التاريخية والتوثيقية وتحديداً تلك المتعلقة بالخروج وحتى ما قبله من ملامح حياة اجتماعية كان ينسبها للاجئين، وهو ما نوّه إليه في مقدمة روايته، لذا بالوسع اعتبار "باب الشمس" وثيقة وحجة تاريخية هامة جداً للباحث في الشأن الفلسطيني.
 
المثلبة التي كانت جلية لدى خوري، والتي تسبّب حالة من الاستياء لدى الفلسطيني القارئ، هي في تشكيكه بصحة معظم الروايات الواردة. كان خوري يسرد واقعة ما تتعلق بحادثة تاريخية في فلسطين أو حول بطولة أحد الفدائيين، ثم يسوق التشكيك بدقّتها في العبارة التي تليها فوراً، تارة على لسان الطبيب الذي يساهر يونس، وتارة على لسان أي شخصية أخرى. كان كمن يبني مجسماَ ومن ثم يهدّه فوراً بمجرد إعجاب المتفرّجين عليه. وهو بهذا قد يفسح المجال للمشكّكين بكثير من مفاصل الرواية الفلسطينية لا سيما تلك التي تتعلق بتفاصيل الخروج من فلسطين ومن ثم باكورة العمل الفدائي المسلح. السؤال الذي سيتبادر لذهن من يقرأ رواية مهمة كـ "باب الشمس": ترى إن كان كاتب الرواية ومن عاش مع الفلسطينيين وحمل معهم السلاح يُشكّك بمصداقية كثير من الوقائع المذكورة على لسانهم، فكيف لي كعدوّ أو كشخص شكّاك بعدالة الرواية الفلسطينية من الأساس أن أصدق هذا؟
ما جعل هذه المثلبة جليّة كان الفيلم الذي أُخِذ عن الرواية، والذي يحمل الاسم نفسه للمبدع المصري يسري نصر الله. الروايات جميعها جاءت على قدر عالٍ من القوة والأهمية، ومن دون إحداث ثغرات في نفس المتلقي؛ ذلك أن نصر الله ساقها من دون أدنى تشكيك تلميحاً أو تصريحاً في درجة مصداقيتها، بعكس الرواية التي حاول فيها خوري وضع روايات فلسطينية ومن ثم التعقيب عليها على لسان إحدى الشخصيات، فكانت الرواية توثيقاً وتشكيكاً في آن. 
 
يُحسب لخوري إضاءته اللافتة على الجانب التراثي ما قبل النكبة، وهو ما ظهر جلياً أيضاً في الفيلم؛ ذلك أن الملابس والكتاتيب وعادات الزواج والأفراح والأتراح والطعام وكل ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية كان على درجة عالية من الأهمية، وهو ما يرفد كون الرواية حجة تاريخية مهمة للفلسطينيين ولأي شخص معني بقراءة ملابسات النكبة والخروج والتواجد في لبنان على وجه التحديد.
 
لشدة ما أوغل خوري في حياة الفلسطيني الاجتماعية وكذلك الجانب النسوي في هذه الحياة الاجتماعية، فقد تحدث مثلا عن ممارسات يومية تحابي الذكر على حساب الإناث، مثل المرأة في المخيم التي تعطي حصة البروتين في الوجبة لابنها الذكر، فيما الإناث ينظرن بعين ملؤها الحسرة والجوع. أراد خوري من خلال ذلك كله، ومن خلال مروره على تفاصيل تغييب المرأة تماماً في عملية الزواج والاختيار وما إلى ذلك من تفاصيل، أراد تسليط الضوء على جزئية حرية المرأة المرتبطة بحرية فلسطين، وجعل المرأة في أفضل حالاتها، وإن لم تكن حالة مثالية، إبّان الثورة الفلسطينية. صار بوسع المرأة أن تصول وتجول وتخرج وتحبّ وتجابه وتعاند وتجادل وتقاتل، برغم كل البؤس ومحاولات قمع الرجل الفلسطيني لها، بل إن نهيلة التي كانت تتحايل سابقاً في الجليل حتى تكون متمردة، باتت تتمرد علانية، وتجابه المجتمع الفلسطيني وكذلك المحتل، بنَفَس قوي وثقة بالغة، حين كان زوجها يونس مقاتلاً مغواراً. 
 
تظهر نقطة التقليل من درجة أهمية القتال الفلسطيني جليّة لدى أخوتنا العرب كاللبنانيين، على الرغم من كون الفلسطينيين استبسلوا في الدفاع عن بيروت في العام 1982 بل وما سبق ذلك العام. في مقاطع كثيرة من الروايتين يتم التشكيك في مصداقية الحكاية التي يسوقها الفلسطيني عن نشاطه العسكري. يرفد هذا التشكيك عدم وجود توثيق لتلك المرحلة من قِبل باحثين فلسطينيين؛ إذ بسبب الأحداث الواقعة على الفلسطينيين كان من الصعب تدوين كل هذا، كبطولاتهم على نقاط التماسّ مع العدو الإسرائيلي، وبطولاتهم أثناء الحروب والاجتياحات وغيرها. بقي الأمر محض روايات متناقلة على مستوى شعبي، تماماً كرواياتهم عن هجمات العصابات الصهيونية عليهم وتفاصيل خروجهم من فلسطين في العام 1948. هذا يُسهّل من مهمة أي مشكّك ويضاعف الضرر على الفلسطيني. 
 
على الرغم من مثلبة التشكيك التي أراها رئيسية، تبقى لرواية "باب الشمس" أهميتها الكبيرة؛ ذلك أنها من أهم الأعمال التوثيقية وليست الروائية المشغولة بعناية وصبر فحسب، كما أن المنهجية في ذلك الوقت (ذلك أن الرواية استغرقت أعواماً من البحث والجمع والكتابة)  كانت ما تزال تحتفظ للتوثيق بمقداره العالي أثناء قصّ حكاية بخطورة وأهمية الحكاية الفلسطينية. كان الهاجس هو تجميع الروايات الفلسطينية كي لا تضيع بضياع رواتها، لكن ما أراه في رواية "الطابق 99" لجنى الحسن، يشبه إلى حد كبير مزاج الروايات السائد حالياً، ويشبه أكثر وأكثر المزاج السينمائي الغربي في تناول قضايا كبرى؛ إذ يتم في الغالب اختيار جزئية صغيرة، في العادة إنسانية مشتركة تنسحب على أعراق وجنسيات وأصول عدة، ومن ثم الاستناد إلى هذه الجزئية لأجل الخروج بعمل معني بالتفاصيل، ومعني بتبسيط الحكاية وتجريدها من كل الهالة البطولية أو الوجدانية التي تحيط بها. الحسن هنا انطلقت من جزئية بسيطة جدا حاولت من خلالها معالجة الجرح التاريخي الغائر في العمق بين الفلسطينيين من جهة والكتائب المارونية من جهة أخرى. اختارت أن تتحدث عن الصبية اللبنانية هيلدا، التي تسافر لأميركا لتعلم الرقص، والتي تقع في غرام الفلسطيني الأعرج والذي يعاني من ندبة في وجهه، طبعا سبب هذه الإعاقات الجسدية مذبحة شاتيلا التي خرج منها حياً بأعجوبة، الوقوع في غرامه في أميركا، وهو الفار من كل هذا الإرث الدموي الذي لاحق شعبه بل وعائلته؛ ذلك أنه خسر والدته الحبلى في المذبحة، فما كان منه ومن والده إلا أن ارتحلا لأميركا وبقيا يردّدان بأن الوالدة الآن تنتظرهما ومولودها الجديد في الجليل الفلسطيني، إلى حد صدّقا فيه الحكاية وتمسّكا بها.
 
الحسن لم تولي الجانب التوثيقي أهمية بالغة، بل هي اختارت الإمساك ببعض التفاصيل المحكية التي لا يُعتدّ بها إن تم الحديث من منظور التوثيق، واختارت عوضاً عن ذلك منهج التحليل النفسي، وتفسير تصرفات مجد الفلسطيني الذي يتمسك على سبيل المثال بالندبة في وجهه، ويرفض رغم ثرائه في أميركا أن يزيلها بعملية تجميل أو أن يحاول حل مشكلة ساقه العرجاء؛ لأنه ببساطة لا يرغب أن تذهب حكايته أدراج الرياح، بل هو يشعر أنه من دون هذه الحكاية المؤلمة لا يساوي شيئاً وبأنه سيضيع في زحام نيويورك، وهو ما يرفضه مراراً حتى حين يطل من نافذة الطابق 99 في المكتب الذي يعمل به، ويشعر بأن ذكرياته عن المخيم وصورة فلسطين في مخيّلته تائهة وهزيلة وهشة وسط كل زحام نيويورك وصخبها ودوامة حياتها الطاحنة. كان يجبر نفسه في حينها على التذكر والانغماس في وجع فلسطينيته أكثر فأكثر.
 
عموماً تم التركيز في الروايتين على نزعة أن الفلسطيني رافض لأي محاولات نسيان يذهب لها طائعاً مختاراً أو يخضع لها من قِبل الغير. في الأحوال كلها هو مصرّ على استذكار فلسطين والحكاية، بل هو يجبر نفسه على هذا التذكر في مرات كثيرة، كما أسلفت.
 
وفي الرواية يحاول كثر إقناع الفلسطيني مجد بإجراء عملية جراحية لتدارك الندبة في وجهه، وتلحِق الحسن تفسيراً لرمزية الندبة مباشرة حين تقول على لسان أحد أبطال الرواية الثانويين: ستذهبون في يوم ما لتسوية، سواء حل الدولتين أو أي تسوية أخرى، لكن لا يمكن أن تبقى الأمور هكذا. لكنه، برغم ذلك يصرّ على ندبة وجهه ويرفض معالجتها، وهي رمزية لتمسك الفلسطيني بحقه حتى اللحظة، برغم ترك العمل المسلح.
 
في وقت ظهر فيه خوري بمظهر الباحث الذي لم يدّخر جهداً في التوجه للاجئين ومخيماتهم وسماع حكاياتهم وتدوينها، فإن الحسن ظهرت بمظهر من بذلت جهداً كبيراً في تحليل صورة الفلسطيني ودوافعه النفسية، ودمج هذا كله بمشاعر المهاجر والمغترب والفارّ من العالم العربي الغارق في الحروب، بل والفارّ من سطوة العائلة العربية التي لا تترك لابنها أو ابنتها فرصة التدقيق في مدى جدية وصحة وأهمية الرواية البطولية التي تتبنّاها. مثلاّ الحسن في روايتها تشكّك في مدى مصداقية رواية بطولة عمها الذي اختطفه ثلاثة من الفدائيين الفلسطينيين في سيارتهم، فما كان منه وهو في سيارتهم إلا أن قتلهم الثلاثة ومن ثم عاد لبيته وأطلق النار على نفسه لأنه لم يحتمل فكرة أن يكون قاتلاً، رغم كونه في حالة دفاع عن نفسه أمام مختطفيه ! وجود هيلدا اللبنانية في أميركا جعلها تعيد النظر في هذه القصة التي لم تنفكّ تسمعها منذ طفولتها، والتي جعلت عائلتها ذات الإرث الدموي بطلة في وقت ما.
 
حريّ بالذكر أن الراوي اللبناني عموماً، برغم لومه الفدائي الفلسطيني كثيراً، انحاز للإنسان الفلسطيني في المخيم؛ ذلك أن كل من خوري والحسن تعاطفا بطريقة مستفيضة مع المخيمات وأوضاع العيش التي تنحدر لما دون الصفر فيها، بالإضافة لطرقهما جانب الحنين باستفاضة وما أفضى له ذلك من أزمات نفسية كثيرة كالتي كانت تصيب مسنة فلسطينية في فترة التزهير، حين كانت تتخيل أشجارها المتروكة في قريتها الفلسطينية، ما يدفعها لتعبئة وسادتها بالزهور وشمّها طوال الوقت، ومن ثم توريثها لأحفادها برغم تعفّن الزهور داخلها. هذه الحكاية وغيرها مذكورة في رواية خوري، إلى جانب حكايات أخرى كثيرة تسوقها الحسن عن حسرة من في المخيمات، والذين يسمّون أزقة المخيم بأسماء قراهم الضائعة، كما يحسبون بالكيلو متر كم يبتعد المخيم عن قريتهم في الجليل أو الساحل. 
 
فوق هذا وذاك تحدث كل من خوري والحسن عن تضييق السلطات اللبنانية على المتواجدين في المخيمات، وإن كانت الحسن طرقت الأمر على عجالة، وضمن تعريج بسيط على أحوال المخيمات، فإن خوري تعمّق في الأمر، وذكر تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بتصاريح زيارة اللاجئين لبعضهم في المخيمات، وحجم التضييق على الداخلين والخارجين من وإلى المخيم، وحجم الإجراءات العقابية التي كانت تطال من يُقبض عليه وهو يحاول التسلل والعودة لفلسطين. 
 
اتجهت الحسن لتصوير نزعة ليست سوية إلى ذلك الحد لدى الفلسطيني، وهي تأثير مأساته السياسية على حياته العاطفية. حين صوّرت في مرات حب مجد لها بمحاولة الانتقام من ماضي عائلتها الكتائبي، ولأجل رد الاعتبار للفلسطينيين الذين أُهينوا على يد الكتائب المارونية، كما جعلت صديقة محسن المكسيكية تنهره هو الآخر حين حاول تبرير أخطائه الجسيمة بمعاناته كفلسطيني، طالبة منه أن يكف عن العزف على وتر كونه ضحية سياسية. هنا تحاول الحسن ألا تستثني أحداً؛ إذ الكل بالنسبة لها يخضع لمراجعات عميقة ودقيقة وشاملة، لروايته ولكونه ضحية أم جلاد. الكل في رواية الحسن يودّ أن يهرب: هي تودّ أن تهرب من إرث العائلة القاتلة وهو ما قد يفسر عشقها لفلسطيني يعاني من تبعات ما اقترفته جماعتها الكتائبية، ومجد الفلسطيني يريد أن يهرب من ذيول مذبحة صبرا وشاتيلا، ومحسن الفلسطيني الآخر يودّ أن يهرب من ضياعه وتشتّته وعقدة أنه مضطهد بسبب فلسطينيته.
 
هذا وأظهرت الحسن الرجل الفلسطيني بمن يحمل نظرته للمرأة في المخيم إلى أميركا. بمعنى أنه يصبح مغترباً أو مهاجراً، لكنه يحاول فرض سطوته على المرأة في أميركا، وإن سعى لترك إرث المخيم المحافظ وراء ظهره.
 
 
حريّ لفت الانتباه لكون روايات البوكر عموماً، كما في "طابق 99" تمتاز في العادة بمراجعتها لعلاقات إنسانية معقدة أو صراعات تاريخية مزمنة أو قضايا سياسية عالقة وتحديداً ما يتعلق بالجانب العربي، كما أنها تجنح دوماً للانحياز لتلك الأعمال الأدبية التي يقف كاتبها على المسافة نفسها من الأطراف كلها. وعلى العموم جاءت "طابق 99" كرسالة من جيل ما بعد الحرب، الذي لا يرغب بالزج به في أي ذيول لصراعات سابقة. لكن بالنسبة لنا كفلسطينيين، لا أعلم ما مدى صحة هذا الطرح: أن نغفر لمرتكبي المجازر بنا وأن نتصرف وكأن فصلاً من التاريخ قد سقط من الاعتبار وبأن دماً لم ينزف في ذلك الموضع في يوم ما؟ وهذا السؤال تعترف الحسن بصعوبته، وتذكره على لسان الفلسطيني مجد، الذي يجد نفسه محاصراً بالمجازر التي حدثت لشعبه، وبأن أي محاولة غفران تشبه الخيانة لكل تلك الدماء التي أُريقت.
 
النهاية في كلتا الروايتين كانت انعكاساُ للواقع: لدى خوري يموت يونس الأسدي، الذي يرمز للفدائي المقاتل، ولدى الحسن يبقى الفلسطيني على حاله ووجعه، لكن الكتائبي يصبح باحثاً عن منصب هنا أو مكسب هناك بعد أن نسيه الكل، إلى حد أنها حين تخبر عائلتها بما تخافه: وهو علاقتها مع فلسطيني مسلم من ضحايا شاتيلا، ينشغلون عن الرد عليها لدخول جموع المهنئين للبيت لأن الكتائبي المعتّق أحرز منصباً بعد أعوام من الانتظار. 
 
عموماً، يبقى السؤال: إلى أي مدى نجح الشقيق العربي في نقل تجربة الفلسطيني لحيز الرواية؟ هل استطاع نقلها كما لو أن الفلسطيني بنفسه من تحدث عنها؟ هذا لربما يحتاج لندوة أخرى، لكن بالمجمل حاول الشقيق العربي مساعدتنا في جمع خطوط الحكاية، لكن لم ينسَ أبداً الجدليات والإشكاليات السياسية التي شابت مراحل سابقة، والتي صبغت وجهة نظره حتى وإن كان منخرطاً في العمل الفدائي مع الفلسطينيين. 
 
السؤال الذي أحسب أنه الأهم: هل استطعنا كفلسطينيين الخروج بحكايات موثقة وروايات مكثفة تتناول مأساتنا كاملة أو أجزاء منها؛ لسد الثغرات الموجودة في روايات الآخر عنا؟  أظن بأن هذا السؤال يحتاج وقفة طويلة.
 

فيديو ذات صلة

This browser does not support the video element.