الاقتصاد العالمي في 2024.. ترامب والصين ونظرية "البجعة السوداء"

  • DWWبواسطة: DWW تاريخ النشر: الثلاثاء، 02 يناير 2024
الاقتصاد العالمي في 2024.. ترامب والصين ونظرية "البجعة السوداء"

مثلت عشرينات القرن الحالي سنوات مليئة بالغموض والتقلبات التي عصفت بالاقتصاد العالمي فيما لا زال الأمر مستمرا حتى اليوم.

عشية بدء حقبة العشرينات وتقريبا في الحادي والثلاثين من عام 2019، جرى إبلاغ منظمة الصحة العالمية بظهور إصابات غامضة ومثيرة للقلق بالالتهاب الرئوي في الصين، لكن بحلول مارس/آذار من عام 2021، ضربت جائحة كوورنا العالم وأدت إلى إغلاقات في سائر الأرض كانت بمثابة ضربة قوية للنمو الاقتصادي العالمي خلال عامي 2022 و 2023.

وما كاد العالم ليخرج من جائحة كورونا، حتى ظهرت أزمة جديد مع بدء روسيا توغلها العسكري داخل أراضي جارتها أوكرانيا في فبراير/شباط 2022. وتسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضحم مع تفاقم أزمة سلاسل التوريد التي شهدها العالم مع تفشي كورونا. وعلى وقع الغزو، أوقفت أوروبا تعاملها التجاري مع روسيا التي كانت قبل الحرب أكبر شريك لأوروبا في مجال الطاقة.

ولم يتوقف الأمر على ذلك إذ شهدت السنوات الأخيرة هزات ثانوية في الاقتصاد العالمي مثل انهيار سوق العملات المشفرة الذي حقق طفرة خلال وباء كورونا فضلا عن تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في حياة البشر.

ومع اقترابنا من دخول العام الخامس من عشرينات القرن الحالي. يتساءل كثيرون حيال مصير الاقتصاد العالمي فهل يشهد مزيدا من الاستقرار أم الاضطراب؟

صورة شاملة

خلفت الأحداث الدرامية التي شهدتها الأعوام القليلة الماضية إرثا اقتصاديا كبيرا فرغم تباطؤ التضخم في اقتصادات الدول المتقدمة، إلا أن أسعار الفائدة لا تزال مرتفعة فيما لم يُحسم بعد توقيت انخفاضها في ضوء إحجام البنوك المركزية عن التحرك في وقت مبكر وسط شكوك حول ما إذا كان التضخم قد جرى احتواؤه أم لا.

ويعتقد بعض الخبراء أن تداعيات السياسة النقدية المتشددة سوف تبدأ في الظهور عام 2024 رغم ظهور بعضها عام 2023.

وفي مقابلة مع DW، قال آدم سلاتر، كبير خبراء الاقتصاد في مؤسسة أكسفورد إيكوميكس، إن الاقتصاد العالمي لم يشهد "انخفاضا بالقدر الذي كنا نتوقع حدوثه في ضوء الصدمات الكثيرة التي عصفت بالاقتصاد العالمي، لكننا نعتقد أن الأمر ليس سوى مسألة وقت."

ويتوقع سلاتر أن يكون النمو العالمي "أضعف" إلى حد كبير خلال العام المقبل مع عدم استعباد حدوث ما يصفه بـ "الركود الفني".

وفي السياق ذاته، صدرت توقعات بأن نمو الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم لن يختلف بشكل كبير عام 2024 عن ما تحقق قبل ذلك بعام، لكن خبراء يتوقعون حدوث تباطؤ إذ تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يرتفع النمو العالمي عام 2024 بنسبة 2.7٪ العام المقبل ما يعني انخفاضا من نسبة النمو التي تحققت عام 2023 والبالغة 2.9 بالمئة.

ويتوقع صندوق النقد الدولي نموا بنسبة 2.9٪ فيما تبلغ النسبة التي توقعها البنك المركزي الأوروبي 3 بالمئة فيما توقع الصندوق أن تحقق الولايات المتحدة نموا أكبر مقارنة بالصين أو أوروبا.

مراقبة التنين

وفي السياق ذاته، يتفق الاقتصاديون على أن الاقتصاد الصيني سوف يحظى بالكثير من الرصد والمراقبة عام 2024 نظرا لما يشكله ثاني أكبر اقتصاد في العالم من أهمية للعالم بأسره.

وفي ذلك، قال سلاتر إن الاقتصاد الصيني يشكل "أهمية كبيرة على مستوى النمو الإقليمي والعالمي خاصة في آسيا بسبب ديناميكيته."

من جانبه، قال سوشانت سينغ، الزميل في "مركز أبحاث السياسات" في الهند، إن السؤال الأكثر إلحاحا عام 2024 سيكون مفادة هل الاقتصاد الصيني سوف "ينتعش أم يغرق" العام المقبل؟

وكان البنك الدولي قد حذر في السابق من أن الأزمة الاقتصادية في الصين من شأنها أن تؤثر بشدة على منطقة شرق آسيا بأسرها، مشيرا إلى أن هذه المنطقة تعد واحدة من أقوى المحركات الاقتصادية في العالم تقليديا.

ويبدو أن هذه المعطيات قد دفعت الباحث الاقتصادي ويليام رينش من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومقره واشنطن، إلى التفاؤل بشأن الاقتصاد الصيني.

وفي مقابلة مع DW، قال إن "إحدى خصائص الاقتصادات التي تسيطر عليها الدولة تتمثل في قدرتها على تأجيل تداعيات أخطائها"، مضيفا "سوف تُبلغ الحكومات البنوك بأن يتعين عليها إقراض هذا القطاع وسوف تُبلغ الشركات بأنه لا يمكنها إعلان إفلاسها إذ أن الحكومة هي صاحبة القرار واليد العليا".

وعلى وقع ذلك، استبعد رينش حدوث انهيار اقتصادي في الصين رغم إقراره بالمخاوف الاقتصادية، قائلا: "يحظى (الاقتصاد الصيني) ببعض القطاعات ذات قدرة تصديرية كبيرة بداية من بطاريات السيارات الكهربائية وحتى المعادن بمعنى أن الاقتصاد الصيني يمتلك قطاعات كبيرة تتمتع بقدرة تنافسية عالية على المستوى العالمي".

وقال "هذا الامر لن يتغير عام 2024".

وسياسيا، تثير قضية تايوان الكثير من القلق خاصة مع التفكير في التداعيات الاقتصادية لأي غزو صيني محتمل يستهدف لتايوان رغم القمة الأمريكية-الصينية الأخيرة بين الرئيس جو بايدن ونظيره الصيني شي جين بينغ.

ورغم اعتقاده بان الغزو الصيني لتايوان غير مرجح، إلا أن رينش أقر بأن أي غزو خلال العام المقبل سيكون بالأمر الصادم للاقتصاد العالمي وهو ما يثير قلقه.

وفي ذلك، قال "الرئيس الصيني يفكر في الإرث الذي سوف يتركه وأحد الأشياء التي يريد القيام بها يتمثل في حل آخر قطعة من اللغز".

أوكرانيا..الغذاء والوقود

ورغم أن احتمالية الغزو الصيني مازالت مبهمة، إلا أن الصراع في أوكرانيا سوف يمضي قدما في التأثير على الاقتصاد العالمي العام المقبل.

ويرى سوشانت سينغ أن الحرب في أوكرانيا تعد "المتغير الأكثر أهمية"، عازيا ذلك إلى عدة أسباب أبرزها تأثير الصراع "المباشر على الغذاء والأسمدة والوقود وهي ثلاثة أشياء تلقى بظلالها على سبل الحياة الكثيرين في بلدان الجنوب العالمي."

وأشار إلى أن الحرب خلقت تأثيرا كبيرا على أسواق الطاقة والغذاء العالمية منذ بدء التوغل الروسي فيما لازالت الفئات الأكثر فقرا في العالم هي الأكثر تضررا.

وقال "إذا انتهى الصراع، فإن هذا الأمر سوف يصب في صالح الكثير من سكان بلدان الجنوب العالمي".

وسلط الخبير الضوء على معضلة تركيز التوقعات والتحليلات الاقتصادية على أداء البلدان الأكثر ثراء على حساب البلدان النامية رغم تفاقم اقتصادياتها منذ وباء كورونا.

وقال إن معدلات النمو المرتفعة في دول مثل الهند غالبا في تخفي الواقع المرير لغالبية السكان وهو ما ظهر جليا من إقرار البرلمان الهندي مشروع الأمن الغذائي الذي يضمن توفر الغذاء لأكثر من 800 مليونا.

وأضاف "لو كان المستقبل مشرقا كما يبدو من الأرقام، لما كنا نتوقع أن يحصل ثلثا سكان الهند على حصص غذائية مجانية على مدى السنوات الخمس المقبلة من قبل الحكومة".

عام الانتخابات

الجدير بالذكر أن الهند سوف تشهد انتخابات حاسمة العام المقبل الذي يصفه مراقبون بكونه عاما انتخابيا مزدحما حيث ستجرى أكبر عدد من الانتخابات على الإطلاق مع توجه أكثر من أربعة مليارات شخص إلى صناديق الاقتراع حول العالم.

وتأتي على رأس ذلك الانتخابات التي ستجرى في البرازيل وباكستان وإندونيسيا وتركيا والمكسيك وبنغلاديش وربما المملكة المتحدة، بيد أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية من المتوقع أن تأخذ نصيب الأسد من الاهتمام العالمي.

ويأتي ذلك على وقع أنها الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخ البلاد مع تقدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على ساكن البيت الأبيض جو بايدن في استطلاعات الرأي في أمر ربما يعزز من فرص فوزه بالسباق الرئاسي مجددا.

ويثير سيناريو فوز ترامب بولاية رئاسية ثانية قلق الاقتصاد العالمي في ضوء أنه خاض حربا تجارية مع الصين عندما وصل إلى البيت الأبيض.

وفي هذا السياق، قال ويليام رينش إن فوز ترامب سوف "يحدث صدمة كبيرة لأنه يتحدث بالفعل عن التعريفات الجمركية الشاملة ومجموعة متنوعة من الأشياء التي سوف تؤثر على العالم".

وبعيدا عن السياسة، يقول مراقبون إن العام المقبل سيكون حاسما فيما يتعلق بالتحول الأخضر والذكاء الاصطناعي، لكن الأشياء غير المتوقعة ربما ستكون الأكثر تأثيرا.

وفي ذلك، قال رينش: "ما يقلقني أكثر أن تقع حوادث في سياق نظرية البجعات السوداء وهي الأحداث التي لا يمكن التنبؤ بها، لكنها تؤدي إلى تداعيات كارثية".

الجدير بالذكر أن نظرية البجعة السوداء تشير إلى الأحداث غير متوقعة و المستعبدة أو ربما مستحيلة الحدوث على غرار اكتشاف بجع أسود اللون في أستراليا رغم أن الأمر كان ضربا من الخيال في الماضي، بحسب ما أشار إليه المفكر اللبناني نسيم طالب في كتابه "البجعة السوداء".

أعده للعربية: محمد فرحان

القيادي الآن على واتس آب! تابعونا لكل أخبار الأعمال والرياضة