سبتة ومليلية وصراع الهوية

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الأربعاء، 01 ديسمبر 2021
سبتة ومليلية وصراع الهوية

منذ انضمام إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي سنة 1986، صارت تعتبر كل من سبتة ومليلية اللتان تقدر مساحتهما معا بـ32 كم² ويقطنهما نحو 170 ألف نسمة، بمثابة حدود جنوبية للاتحاد الأوروبي، والعملة المتداولة داخلهما بشكل رسمي هي "اليورو"، كما أن هيئة الأمم المتحدة لا تعترف بكون سبتة ومليلية مدينتان محتلتان.

ولم تتوان إسبانيا في تسييج حدودهما مع المغرب، تحت مزاعم محاربة الهجرة غير الشرعية، فبعد أن أصبحت المدينتان تنعمان بالحكم الذاتي بموجب قرار من البرلمان الإسباني سنة 1995، شرعت السلطات في مدينة مليلية بتشييد سياج عازل يفصل المدينة عن مدينة الناظور المغربية، بأسلاك شائكة يبلغ طولها 8 كيلومتر ويصل ارتفاعها إلى 6.5 أمتار. ويعد هذا السياج الثاني من نوعه بعد السياج المزدوج المقام على الحدود بين مدينة سبتة والأراضي المغربية المجاورة، والذي يبلغ طوله 12 كيلومتراً وارتفاعه 6 أقدام.

موقع جغرافي مميز وتنوع ديموغرافي في سبتة ومليلة

تعتبر منطقتا سبتة ومليلية من أهم الملتقيات التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالم ككل، كما تتمتعان بموقع استراتيجي في شمال إفريقيا، لذلك تعتبران صلة وصل بين القارة الإفريقية والأوروبية.

تقع مدينة سبتة في منطقة غير بعيدة عن مدينة الفنيدق وقرية بليونش المغربيتين ومقابل مضيق جبل طارق، و تربط القارة الإفريقية بأوروبا، هي شبه جزيرة تطل على المتوسط، كانت تتمتع قديماً بأهمية ومكانة كبيرتين نظراً لموقعها الاستراتيجي، الذي شكل منطلقاً للجيوش الإسلامية نحو الأندلس، كما كانت ملتقى لحركة التجارة العالمية التي تمر عبر البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي. تمتد مساحة سبتة على 20 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها 87.000 نسمة.

على بعد 400 كم شرق مدينة سبتة، ونحو 10 كيلومترات تقريباً من مدينة الناظور المغربية، تقع مدينة مليلية في شمال شرق المغرب، قبالة الساحل الجنوبي لإسبانيا، في قلب منطقة الريف المغربية التي تحيط بها من عدة جوانب، وتطل على البحر الأبيض المتوسط. تقدر مساحتها بنحو 12,3 كم²، بينما يبلغ عدد سكانها 80 ألفا أغلبهم يعتنقون الديانة المسيحية، بينما %45 منهم مسلمون.

ما هي الدول والإمبراطوريات التي تعاقبت على حكم المدينتين؟

الدول التي حكمت سبته سابقا

شكل الموقع الاستراتيجي المميز لمدينة سبتة محط أطماع العديد من الدول على مر العصور، لذلك سيطر عليها الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، إلى أن طردتهم قبائل الوندال من المدينة عام 429 م، قادمين من شبه الجزيرة الايبيرية، بعد عبورهم مضيق جبل طارق بهدف الوصول إلى السهول الخصبة في أفريقيا، وبعد ذلك سيطر عليها البيزنطيون سنة 533 م، لتسقط مرة أخرى سنة 548 في يد القوط الغربيين.

سيطر الأمويون على سبتة وحكموها، قبل أن يدخلها المرابطون، لتتحول في عهدهم إلى "عاصمة لولاية كبيرة تشمل ربع مساحة المغرب الأقصى بما في ذلك مدينة فاس". وعندما قامت الدولة الموحدية واجهت معارضة شديدة، حيث رفض القاضي عياض أن تخضع مدينةُ سبتة لحكم الموحدين، وقاد مقاومة شرسة ضد جيش الموحدين، لكنهم في النهاية تمكنوا من السيطرة عليها وإخضاعها لحكمهم، قبل أن ينشِئوا فيها أسطولا بحريا قويا.

بعد انهيار دولة الموحدين، انتقلت مدينة سبتة إلى حكم الدولة الحفصية التي قامتْ في إفريقية (تونس)، وصارت المدينة تحت سيطرتهم انطلاقا من العام 1242 م، ثم حكمها بعد ذلك العزفيون بموجب معاهدة صلح بين الأمير أبي العباس العزفي والسلطان أبي يوسف المريني بشرط أن يحتفظ الأول بحكم سبتة واستقلال بني العزفي فيها، لقاء خراج سنوي يؤديه إلى السلطان المريني، إلا أن بني الأحمر قاموا باحتلالها، ولم تنجع محاولات المرينيين بقيادة الأمير أبي سالم المريني في استردادها.

حكم السلطان المريني أبو سعيد المدينة مرة أخرى في عام 1310 م إلى غاية عام 1327 م، حيث تولى شخصيا قيادة سبتة، واستمر حكم المرينيين لسبتة لقرن من الزمان حتى الغزو البرتغالي عام 1415.
سقطت مدينة سبتة بأيدي البرتغال يوم الأربعاء 14 جمادى الثانية من عام 818 هـ الموافق ليوم 21 يونيو/حزيران عام 1415 م، في حين بقيت مليلية تقاوم جيوش الإسبان حتى سقطت عام 1497 م، لكن سبتة تحولت فيما بعد إلى الحكم الإسباني عندما تولى الملك الأسباني فيليب الثاني عرش البرتغال عام 1580. وبعد اعتراف إسبانيا باستقلال البرتغال، تنازلت الأخيرة بمقتضى معاهدة لشبونة عام 1668 عن سبتة لإسبانيا.
وبذلك أسدل الستار على تاريخ الحكم الإسلامي بمدينة سبتة، وبعد استقلال الأراضي المغربية عن إسبانيا في القرن الماضي، احتفظت إسبانيا بسبتة ومليلية، لتصبحان بذلك بمثابة الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

الدول التي حكمت مليلية

تعاقب على حكم مليلية في التاريخ القديم كل من الفينيقيين، الذين أسسوا المدينة وأطلقوا عليها اسم روسادير "Rusadir"، وكان ذلك في القرن السابع قبل الميلاد، ثم تلاهم حكم الإمبراطورية القرطاجية في القرن الخامس قبل الميلاد، فمملكة موريتانيا الطنجية سنة 218 قبل الميلاد، لتنتقل بعد ذلك إلى سيطرة الإمبراطورية الرومانية ثم الإمبراطورية الرومانية الغربية، إلى أن دمرها الوندال سنة 429 م، ليتم بناؤها مجددا في فترة حكم البيزنطيين، الذين حكموا المدينة في القرن السادس الميلادي بعد إسقاط الوندال.

انتقلت المدينة في أواخر القرن السابع لحكم الأمويين، والأرجح أنهم هم من أعطوا المدينة اسمها الحالي "مليلية"، إلا أن هناك من يقول أنه اسم يوناني كان حتى قبل مجيء الفينيقيين إليها، ثم تعاقبت عليها دول الخلافة العباسية سنة 750 م، ثم ضمتها إمارة نكور سنة 788 م، وفي عام 859 م احتلها الفايكينج وقاموا بنهبها وإحراقها. لتعود بعد ذلك لسيطرة خلافة قرطبة ثم المرابطين فالموحدين، لتصبح سنة 1238 م جزءاً من الدولة المرينية.

وفي 17 سبتمبر سنة 1497 قام خوان ألونسو بيريث دي غوثمان إي دي ريبيرا بالاستيلاء على مليلية وضمها إلى المملكة الإسبانية، أما سنة 1509 فقد شهدت اعتراف البرتغال بالسيادة الإسبانية على مليلية وفقا لمعاهدة لشبونة، وفي فترة لاحقة، وتحديدا سنة 1554 تم ترسيم الحدود بين مليلية والدولة السعدية القائمة بالمغرب.

ما هو مصير محاولات المغاربة لاسترداد المدينتين؟

استمرت محاولات المغاربة لاسترداد المدينتين طيلة قرون، حيث كانت أبرز محاولة هي تلك التي قام بها السلطان إسماعيل في القرن السادس عشر الميلادي، بمحاصرته لمدينة سبته لمدة طويلة لكن دون نتيجة تذكر، كما حاول مولاي محمد بن عبد الله في عامي 1774 و 1775 محاصرة مدينة مليلية، إلا أن سيطرة الاسطول الإسباني على البحر ضمنت تموين المدينتين، ونجحت في منع وصول الذخيرة والعتاد إلى المغرب من الخارج، وفشلت بذلك مساعي المغاربة.

وتبقى أهم الهزائم التي ألحقت بالإسبان إبان فترة الاحتلال الفرنسي الإسباني للمغرب هي معركة "أنوال" التاريخية، التي انتصر فيها المقاوم المغربي محمد بن عبدالكريم الخطابي، قائد الثورة ضد الإسبان سنة 1921. إذ ألحق المقاومون هزيمة قاسية بالجيش الإسباني وباتوا على مشارف مدينة مليلية، لكن التحالف الإسباني الفرنسي استطاع إخماد شرارة الثورة.

ومنذ سنة 1961 ومدعوما من قبل العديد من الدول العربية والاتحاد السوفياتي، قام المغرب برفع مطالبه باستعادة المدينتين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي عام 1966 دعم الملك المغربي الحسن الثاني أحقية إسبانيا في الظفر بجبل طارق، قائلا أنه إذا تحررت الأراضي البريطانية في جبل طارق وعادت لحضن الدولة الإسبانية، ستعود سبتة ومليلية للمملكة المغربية، وكانت هذه هي الفكرة البارزة للسياسة الخارجية للحسن الثاني لسنوات عديدة.

وبلغ التوتر بين البلدين ذروته في يوليو 2002، خلال أسوأ أزمة ثنائية شهدتها الدولتين في العقود الأخيرة، حين نزل جنود مغاربة في جزيرة ليلى (وهي صخرة صغيرة غير مأهولة تقع غرب سبتة)، بعد عشرة أيام استعادت القوات الخاصة الإسبانية السيطرة على الجزيرة، مما استلزم تدخل الدبلوماسية الأمريكية لإيجاد حل سريع للأزمة.

ما هو الوضع الحالي للمدينتين؟

يطالب المغرب إسبانيا بإرجاع المدينتين، ويرفض الاعتراف بالحكم الإسباني هناك، كما يطالب بالجزر الجعفرية ويعتبرها جزءاً من أراضيه، ويعتبر سكان المدينتين من أصل مغربي مغاربة يتمتعون بكامل الحقوق داخل التراب المغربي مثل باقي المواطنين المغاربة، غير أن المنطقة لم تصنفها هيئة الأمم المتحدة ضمن المناطق المحتلة أو المتنازع عليها.

تواصل إسبانيا فرض الأمر الواقع الذي توج عام 1995 بمنح المدينتين حكما ذاتيا كإقليمين مستقلين تحت السيادة الإسبانية، وزار الملك الإسباني السابق خوان كارلوس سبتة في شهر نوفمبر من عام 2007، في إشارة سياسية منه لتمسك مدريد بسيادتها على المدينتين، وسط استنكار مغربي رسمي وشعبي. لكن في يوليو عام 2015، أعلن رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران أن إسبانيا شريك اقتصادي للمملكة المغربية، مضيفا أن الوقت لم يحن بعد للمطالبة باسترداد مدينتي سبتة ومليلية.

في النهاية.. تبقى كل من سبتة ومليلية محط نقاش دائم في الأوساط المغربية والإسبانية، وتبقى المطالب المغربية باسترجاع المدينتين قائمة ولو أنها تقفز للسطح من حين لآخر فقط، لكن القضية لم تعرف تحولات كبيرة في السنوات القليلة الماضية، وسط أفول صوت المطالب المغربية.

القيادي الآن على واتس آب! تابعونا لكل أخبار الأعمال والرياضة