• ريادة الأعمال والمشاكل الزوجية

    ريادة الأعمال والمشاكل الزوجية

    قد يعتقد الكثيرون أن ريادة الأعمال -بما أنها الموضة الحالية في منطقتنا- ستحقق الثراء والنجاح والشهرة لهذا الشباب الطموح، مثلما نجح مارك زوكربيرغ مؤسس الفيسبوك أو ستيف جوبز مؤسس شركة أبل، لكن ما لايعرفه الكثيرون، أن ريادة الأعمال هي رحلة موحشة مليئة بالصعاب والتحدي والمفاجئات، وتحمل النجاح والفشل، وأشبه بجولة في قطار الملاهي بين صعود هبوط، وقد تصل بصاحب الصبر والعزيمة إلى مراتب عالية لن يصل لها أبدا صاحب الراتب والوظيفة لكنها حياة لا تعرف الإستقرار، والمتابع لقصص رواد الأعمال، ربما قرأ كثيرا عن التحديات التي يعانونها في إدارة الشركة ومواردها، والبحث عن التمويل والمستثمرين، لكن هناك جانب قلما يتكلم عنه أحد ألا وهو حياة رائد الأعمال الزوجية.

    رواد الأعمال الحقيقيون يختلفون جدا عن الناس العاديين، فرائد الأعمال عندما يأكل أو يتنفس أو ينام يكون إما يعمل أو يفكر في عمله، رائد الأعمال يعمل سبعة أيام في الأسبوع وعلى مدار العالم، لا يعرف شئ اسمه عطلة، وأنا كرائد أعمال، أقول لك أنني أكره العطل، لأنها تسبب تأخير كل شئ، سواء صرف الشيكات أو الحصول على موافقة أو لقاء الزبون، فما يميز الشركات الناشئة عن الشركات الأخرى أن رأس مالها الرئيسي هو استثمارها للوقت، فهي تقوم بإنجاز المشروع بأقل الموارد وبكفاءة عالية وبطريقة جديدة غير تقليدية، فرائد الأعمال هو المسؤول في النهاية عن دفع فواتير شركته، وآجار مكتبه، ورواتب الموظفين، وعليه أن يولد أرباح ويدفع للمستثمرين عوائدهم كي يبقيهم سعداء، ويأخذ في النهاية ماتبقى له من الكعكة، كل ذلك يترك أثره عادة على حياة رائد الأعمال العاطفية، فنجد أن بعض رواد الأعمال إختاروا أن يبقوا غير متزوجين، والآخرين دائما يكون لديهم بعض المشاكل أو كثير من المشاكل والتي كثيرا ما تنتهي بالطلاق.

    ففي الولايات المتحدة الأمريكية رواد الأعمال لديهم أعلى المعدلات في الطلاق مقارنة بالمهن الأخرى، فإنشغال رائد الأعمال بشركته الناشئة، يخلق مسافة وبعد وتوتر بينه وبين زوجته، وتكون عادة أسباب الطلاق هي المشاكل المالية، الإهمال، قلة التواصل والأهداف المختلفة و العيش بعدم إستقرار بشكل دائم.

    ومن خلال تجربتي الشخصية وفشل زواجي الأول الذي كان لريادة الأعمال نصيب كبير في أسبابه، فقد حاولت استخلاص العبر من التجربة، والبحث في تجارب الآخرين، وعثرت على كتاب اسمه For Better Or for Work: A Survival Guide for Entrepreneurs and Their  Families لكاتبته "Meg Hirshberg" التي شرحت بالتفصيل حالات عديدة لتجارب فاشلة وناجحة، وتحدثت كيف نجحت هي وزوجها في رحتلهم الزوجية، وقمت بتلخيص مقتضب لأهم الأسباب التي تؤدي للطلاق لدى رواد الأعمال:

    ضعف التواصل

    عندما تزداد المشاكل المنزلية، فإن رائد الأعمال يجد في شركته ملجأ له من هذه العواصف والأعاصير العاطفية التي تثيرها زوجته، فيركز جل إهتمامه على شركته وعمله، ويزداد إدمانه على العمل، لأنه يجد أنه من السهل عليه أن يحل مشاكل العمل المنطقية بتفكيره التحليلي وخوارزمياته المبتكرة، بدلا من تلك المشاكل العاطفية التي لا يوجد شيفرة منطقية لحلها، فتزداد عزلته عن زوجته وتزداد تعاسة وسخط ومعاناة الزوجة المسكينة. وهذا ما يؤكده الدكتور مايكل كومي وهو طبيب نفسي وبرفسور في مدرسة شيكاغو للمحترفين النفسيين بقوله "العزلة النفسية عادة تترك مشاكل في الزواج".

    هناك نوع آخر من رواد الإعمال، لا يحب أن يناقش مايحدث في العمل مع زوجته، ذلك لأنه لا يريد أن ينقل مشاكل العمل إلى البيت، ويعكر بال زوجته بمشاكله، أو أنه يريد أن يحمي زوجته من القلق، فتجده متحفظ عن مشاركة هذه الأمور مع الزوجة ولا يتحدث إلا نادرا، فيكون موجود في البيت جسدا إلى أنه عقلا وقلبا يفكر في مشاكل شركته الناشئة.

    المشاكل المالية

    المشاكل المالية من أهم أسباب الطلاق وتتفوق حتى على الخيانة الزوجية، ففي حياة ريادي الأعمال لا يوجد دخل ثابت، فالدخل دائما متغير، والشركة الناشئة تستهلك كل الأموال التي يجنيها، وكل شئ متغير ويخضع لظروف متغيرة، لذلك في حياة رائد الأعمال سيكون الجدال حول المال سواء عند الربح أو عند الخسارة، فعندما يحصل رائد الأعمال على المال من أحد المشاريع أو الصفقات، تتنفس الزوجة الصعداء وتكون قد عملت خطة لكيفية صرف هذه الأموال على حاجات البيت والأسرة، وربما أرادت تبديل الثلاجة الصغيرة القديمة بثلاجة كبيرة أو تغيير ديكور المنزل، لكن في الغالب هذه الأشياء ليست في سلم أولويات رائد الأعمال، فهو عادة يريد إعادة إستثمار هذه الأموال أو توسيع شركته أو شراء ترخيص لبرنامج جديد أو توظيف عدد إضافي من الموظفين أو إفتتاح فرع جديد وسيكون هناك في كثير من الأحيان تعارض في وجهات النظر. وقد تكون الأمور أكثر تعقيدا، خاصة عندما يكون رائد الأعمال قد استثمر مدخرات العائلة أو أموال زوجته في مشاريعه، وقد يحدث أن يخسر في ذلك المشروع وهذا أيضا سيفتح باب عريض من المشاكل والجدال

    الخيانة الزوجية

    رغم أنه لا يوجد أي دليل على أن رواد الأعمال أو زوجاتهم لديهم معدل أعلى من باقي المهن في الخيانة إلا أن بُعد رائد الأعمال في أغلب الوقت عن المنزل وإختلاطه كثيرا مع الجنس الآخر سواء من الموظفات أو العملاء أو المعارف وخروجه كثيرا في إجتماعات وسفرات، وقضاءه مثلا معظم الوقت مع أحد الموظفات أو الزبائن أكثر مما يقض وقته مع زوجته، قد يثير الغيرة لدى الزوجة أو قد يجعل قلب رائد الأعمال يتوجه بإتجاه آخر، وبالمقابل في حالات أقل تستغل الزوجة إنشغال زوجها وإهماله وتبحث عن من يعوضها ذلك.

    عدم الإستقرار

    عندما تكون العلاقة الزوجية متوترة أصلا تقوم ريادة الأعمال بدور المسرع لإنهيار هذا الزواج، وستقوم بدور المكبر لكل المشاكل الموجودة أصلا، وإذا لم يتجادل الزوجين عن التضحيات التي يقومون بها فبالتأكيد فإن زوجة رائد الأعمال لن تتردد بتفتح نيران الشكوى من الألم الذي تعانيه من عيشها في وضع عدم الإستقرار عند كل جدال. فحياة رائد الأعمال خصوصا في البدايات في صعود وهبوط فهو تارة في القمة وتارة في القاع، قد تمر عليه أيام لايملك به قوت يومه وقد تمر عليه أيام تجده يتعشى في أفخم المطاعم، كل ذلك سيترك أثر سئ على الزوجة وستعيش في دوامة من القلق وعدم الإستقرار وعدم معرفة ماذا يخبئ لها المستقبل.

    الخاتمة

    لن أقول لك بأن حياة رائد الأعمال مستحيلة زوجيا، لكن ما سأقوله بأن عليه أن يحسن الإختيار، فليست كل إمرأة تصلح أو تستطيع الصبر على حياة رائد الأعمال، فيختار المرأة ذات الشخصية المستقلة، الصبورة والمتفهمة، والتي لا تهتم كثيرا بالأمور السطحية وتريد أن تعيش مثل باقي الناس، و عليه أن يكون متأكد أن هذه المرأة تشاركه رؤيته وحلمه وتدفعه دائما إلى الأمام. وهو في المقابل عليه أن يشرح ظروفه بشكل مفصل لشريكة حياته منذ بداية العلاقة، ويصل معها إلى نوع من الإتفاق حول المنزل والشركة الناشئة والأهداف وميزانية المنزل والإستثمار في الشركة، وكل هذه الأمور.

    أما المرأة فلا بد أن تعرف أن رأئد الأعمال ليس شخص عادي، فرائد الأعمال حياته وقلبه معلق بحلمه وبشركته، وهو بحاجة لمن يفهمه ويدفعه للأمام ولا يريد من يسحبه للخلف أو يخلق له مشاكل إضافية، أما من ميزات رائد الأعمال بالنسبة للزوجة أنه شخص صادق، يملك طموح ورؤية، عميق التفكير، جيد في حل المشاكل، وإيجابي في النظرإلى الحياة، قليل التذمر والطلبات، ويحب الإحتفال بالنجاح.

    أخيرا فإن أهم الوصفات لإستمرار زواج رائد الأعمال هو أن يفاجأ زوجته دائما بالهدايا ويحتفل معها عند كل نجاح يقوم به وينسب إليها الفضل، ويتذكر بأن يقوم بالسؤال عنها وعن مشاكلها ويشاركها ذلك ولو بضع دقائق يوميا، ويبقى أفضل حل لهما هو الذهاب في كل سنة مرة أو مرتين في رحلات سياحية وترفيهية وإغلاق الهاتف والإستمتاع بالحياة فهذا من شأنه أن يعطي الزواج جرعة كبيرة من الحيوية والمرح ويبدد الأيام السيئة.

     

    إذا رغبت بتصحيح أي معلومة مذكورة


    تعليقات