جان جاك روسو.. فيلسوف العودة إلى الطبيعة

  • تاريخ النشر: السبت، 26 مارس 2022
جان جاك روسو.. فيلسوف العودة إلى الطبيعة

فيلسوف متعدد المواهب، قدم أفكارا سبقت عصره ومازالت تمثل مرجعا لدارسي الفلسفة والعلوم الاجتماعية حتى الآن، إنه جان جاك روسو أحد أهم كتاب عصر التنوير، وأفكاره ساهمت في الثورة الفرنسية.

 كما أن كتابه الأشهر العقد الاجتماعي أهم مراجع الباحثين في الفكر السياسي والاجتماعي، هذا بجانب أفكاره في التربية ودور الفرد في المجتمع، واستمر في نشر أفكاره حتى وفاته في عام 1778.

حياة جان جاك روسو ونشأته

ولد روسو في مدينة جنيف السويسرية يوم 28 يونيو من عام 1712، وتوفيت أمه عقب ولادته، ورحل عن جنيف في عام 1728، ليبدأ حياة من الفشل والضياع والتردد بين الكتابة والموسيقى.

 وتعرف على سيدة تكبره بنحو 13 عاما وانضم إلى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وانفصل عنها في عام 1740، وفي العام التالي رحل إلى باريس بحثا عن الشهرة والثروة وتعرف على عدد من مشاهير الفلاسفة حتى عمل أمينًا للسفير الفرنسي في البندقية عامي 1743 و1744.

كانت بدايته مع الفلسفة من خلال دراسة الطبيعة البشرية والبحث في الخير والشر، حيث أكد أن مرحلة التطور البشري المرتبطة بما أسماه الوحشية كانت الأفضل في التطور البشري.

 وذلك عند المقارنة بين الوحشية الحيوانية من جهة والانحلال الحضاري من جهة أخرى، حيث قال: "ما من شيء ألطف من الرجل في حالته البدائية، وذلك عندما توضع الطبيعة على مسافة متساوية من غباء المتوحشين والتنوير القاتل للإنسان الحضاري".

جان جاك روسو والعقد الاجتماعي

في عام 1762 نشر روسو كتابه الأشهر "العقد الاجتماعي"، ويعد العقد الاجتماعي نظرية تقوم على أن الأفراد يقبلون بشكل ضمني أو صريح أن يتخلوا عن بعض حرياتهم ويخضعون لسلطة الحاكم أو لقرار الأغلبية مقابل حماية بقية حقوقهم، حيث تعتبر العلاقة بين الحقوق الطبيعية والشرعية هي في العادة مبحث من مباحث نظرية العقد الاجتماعي.

ظهرت الأفكار الأولى للعقد الاجتماعي في الفلسفة الإغريقية والقانون الروماني. إلا أنها تطورت منذ منتصف القرن السابع عشر وحتى بداية القرن التاسع العشر، وتشترك معظم نظريات العقد الاجتماعي في نقطة انطلاقها، وهي فحص حالة الإنسان في غياب أي نظام سياسي.

 وأطلق توماس هوبز على ذلك «الحالة الطبيعية»، حيث إنه في هذه الحالة، تكون أفعال الأفراد مرتبطة فقط بقوتهم ووعيهم الشخصي، والفرضية الرئيسية التي تنادي بها نظرية العقد الاجتماعي هي أن القانون والنظام السياسي ليسا طبيعيين، بل هما من اختراع البشر.

فهم روسو للعقد الاجتماعي كان يميل إلى الحالة الطبيعية حيث كان يرى أن الناس كانوا في تلك الحالة يعيشون حالة اكتفاء ذاتي وسلام في ظل مبادئ أخلاقية، وقال إن التجمع البشري أتى نتيجة لعوامل اقتصادية مثل الاختراعات وتطور عوامل الإنتاج وتقسيم العمل.

وهو ما أدى إلى ظهور قيم جماهيرية جديدة ناتجة عن المقارنة مثل الخجل والحسد والفخر وغيرها ولكنه رأى أن أهم هذه القيم هي الملكية الخاصة، التي تعتبر منحنى تاريخياً هام في مسيرة التطور البشري.

وكان روسو يرى أن ظهور الملكية الخاصة ناتج عن ظهور قيم أخرى مثل الجشع، والمنافسة، وعدم المساواة ما أدى إلى خروج البشرية من حالتها الأصلية الطاهرة، حيث انقسم الناس إلى أصحاب أملاك وعمال وظهر نظام الطبقات الاجتماعية، ولجأ الملاك إلى إنشاء حكومات لحماية مصالحهم من الآخرين، وتطور ذلك إلى بلورة عقد اجتماعي يوفر الحماية للجميع.

كانت افتتاحية الكتاب تقول: "يولد الإنسان حرًا وهو مقيد في كل مكان، إن أولئك الذين يعتقدون أنفسهم سادة الآخرين هم في الحقيقة عبيد أكبر منهم"، حيث يرى الفيلسوف الشهير أن الأفراد يستطيعون الحفاظ على أنفسهم والبقاء أحرارًا من خلال الانضمام إلى المجتمع المدني عن طريق العقد الاجتماعي والتخلي عن مطالبهم بالحق الطبيعي.

 وذلك لأن الخضوع لسلطة الإرادة العامة للشعب ككل يضمن للأفراد عدم الخضوع لإرادة الآخرين ويضمن أيضًا طاعتهم لأنفسهم بشكل جماعي لأنهم هم من وضعوا القانون، كما يؤكد على أن السيادة وسلطة سن القوانين يجب أن تكون في أيدي الشعب لا في أيدي الحكومة.

تأثيره على الثورة في فرنسا وأمريكا

كانت نظريات روسو مؤثرة على الثورة الفرنسية التي طالبت بالجمهورية وتعتبر من أعظم الثورات في تاريخ البشرية، كما قام بتأليف كتيب سياسي بعنوان: "تأملات حول الثورة في فرنسا".

 كما يرى علماء الاجتماع أنه أثر أيضا على الآباء المؤسسين للولايات المتحدة خاصة في الأفكار التي تؤكد أن جميع الرجال خلقوا متساويين، والاعتقاد بأن مواطني الجمهورية يتعلمون بنفقة عامة، وظهر ذلك في مفهوم دستور الولايات المتحدة عن الرفاهية العامة ومفهوم روسو عن الإرادة العامة.

مفهوم التربية عند جان جاك روسو

كانت أفكار روسو عن التربية سابقة لعصرها في ذلك الوقت، حيث اعتقد أن التربية لا تعني نقل المعلومات إلى التلاميذ فقط ولكنها تمتد إلى تطوير شخصيته وأخلاقه ليتمكن من الاندماج في المجتمع ومواجهة التناقضات المعيشية التي يمكن أن يتعرض لها.

وكتب كتابا بعنوان "في التربية: إميل نموذجاً" يحكى قصة طفل اسمه إميل منذ نشأته وحتى زواجه عندما يبلغ 25 عاما، ويقوم الكتاب على فكرة تربية النشء بدون إجبار على حفظ العلوم والثقافات، ليتعلم الطفل من خلال ميوله وبالتجربة الشخصية.

 وقال روسو: "اتبعوا مع النشء الطريقة العكسية، وهي أن يشعر النشء بأنه هو صاحب الاختيار، فلا توجد استجابة وتكريس إلا بالشعور بأن المرء حر فيما يتعلمه، هذا هو التكريس الحقيقي"، وأصبحت طريقته الفريدة هي أساس طرق التعليم الحديثة.

أقوال جان جاك روسو

يتداول دارسو العلوم الاجتماعية عدد كبيراً من أشهر أقوال الفيلسوف الفرنسي، ومنها: "ليس من الحرية الأدبية أن تقول في الغائبين شيئاً لا تجرؤ أن تقوله لهم وهم حاضرون"، كما قال: "إن ابتغيت أن تستطلع قلوب غيرك ولم تطلعهم على ما في قلبك، فقد أخطأت السبيل".

وقال أيضا: "ما اطمأن إليه قلبي من دون تردد اعتبرته حقيقية بديهية، وكل ما ترتب في نظري عن هذه الحقيقة حكمت بأنه صحيح مقرر".

 وأيضا: "إني كائن شرف بقوة التفكير، إلا أنني أعلم في الوقت ذاته أن الحقيقة في الأشياء وليست في الأحكام التي يصدرها عقلي بشأنها".

كما قال عن الديمقراطية: "نشأت سلطة تحكم ومحكوم يطيع، ونشأ بينهما عقد اجتماعي يفرض بأن يقوم كل منهما بواجبه، فإذا أخلَّ فريق بواجبه حق للآخر فك العقد، والثورة".

 وأيضا قال: "حين أرى الظلم في هذا العالم، أسلي نفسي دومًا بالتفكير في أن هناك جهنم تنتظر هؤلاء الظالمين "، وقال: "إذا أردتم أن تمنحوا الدولة ثباتاً فقربوا بين الطرفين الأقصى ما استطعتم، ولا تحتملوا وجود أناس أغنياء وفقراء".

وقال عن الأخلاق: "الفضيلة حالة حرب، ولكي نتعايش معها علينا أن نكون دائماً في معركة مع أنفسنا"، وعن التربية قال: "تدريب الأطفال مهنة متخصصة؛ وفيها يجب معرفة كيفية إضاعة الوقت للحفاظ عليه".

وفاته

مع تراجع صحته قرر "روسو" أن ينهي ما بقي له في الريف في إيرمينونفيل، واستضافه أحد المعجبين به في قصر وهو المركيز جيرارد، وفي صباح يوم 2 يوليو عام 1778 خرج روسو لجمع الأعشاب فسقط على الأرض متوفيا عن عمر يناهز 66 عاما، وخرجت شائعات بعد وفاته أنه انتحر ولكن لم يتم إثباتها.

القيادي الآن على واتس آب! تابعونا لكل أخبار الأعمال والرياضة