الجاحظ: سر تسميته وكيف قتلته كتبه؟

  • تاريخ النشر: الأربعاء، 06 يناير 2021
الجاحظ: سر تسميته وكيف قتلته كتبه؟
مقالات ذات صلة
أحمد حسن الزيات.. الأديب الراقي صاحب «الرسالة»
حسان بن ثابت.. الشاعر المخضرم الذي أحبه الرسول
أحمد مطر.. شاعر الهجاء والسخرية الذي مات معزولا

لُقب بأبو الأدب، ورغم ذلك قتلته الكتب!.. إنه الجاحظ.. الأديب الموسوعي الذي اعتاد أن يبيت في دكاكين الكتب ليسهر على قراءتها.. فمن هو وكيف قتلته كتبه؟ ذلك ما سوف نعرفه في هذا الفيديو.

من هو الجاحظ؟

يُعتبر أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني المعروف باسم الجاحظ من أهم وأشهر أئمة الأدب في العصر العباسي.. وقد كتب الجاحظ أكثر من 140 كتاباً والعديد من الرسائل.

سر تسميته بالجاحظ

أُطلق عليه لقب الجاحظ لأنه كان يمتلك عينين جاحظتين، أي: بارزتين عن مستوى الوجه، لكنه لم يكن يحب هذا اللقب، وكان يطلب من الناس أن ينادوه باسمه "عمرو" أو بكنيته "أبو عثمان".

ظل الجاحظ لا يحب هذا اللقب حتى أصبح شيخاً، ولاحظ أن الكثير من الناس حول العالم يعرفونه باسم الجاحظ، وربما لا يعرفون اسمه أصلاً؛ فاستسلم للأمر، وبدأ في تعريف نفسه باسم الجاحظ لأنه أصبح بمثابة لقب شهرته.

السخرية من ذاته

عُرف عن الجاحظ دمامة شكله، حتى أنه قيل عنه: "لو يُمسَخُ الخِنزير مسخا ثانياً   ما كان إلا دون قبح الجاحظِ".

بسبب دمامته، كان الجاحظ موضوعاً للسخرية من العديد من معاصريه، لكنه قرر محاربتهم بأغرب سلاح ممكن، وهو السخرية من الذات.

كان يحكي العديد من الحكايات الساخرة من شكله بأريحية، وكأنه يقطع الطريق على الآخرين، فمثلاً حكى عن لقاءه بالخليفة المتوكل قائلاً: "فلمّا رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلافِ درهمٍ وصرفني."

وحكى عن امرأة أنها: "أتتني وأنا على باب داري، فقالت: لي إليك حاجة، وأريد أن تمشي معي. فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صائغ يهوديّ، وقالت له: مثل هذا، وانصرفت، فسألتُ الصَّائغَ عن قولها، فقال: إنّها أتت لي بفصّ، وأمرتني أن أنقش لها عليه صورةَ شيطانٍ، فقلت لها: ما رأيت الشيطان، فأتت بك وقالت ما سمعت."

نهم المعرفة

عرف الجاحظ بنهمه الشديد في طلب العلم، فجمع بذلك مختلف ضروب الثقافة والمعرفة في زمانه، وقد وُلد الجاحظ في البصرة سنة 159 هـ، وعُمِّرَ طويلاً حتى سنة 255 هـ.

أزهى عصور الثقافة العربية

عاش الجاحظ في واحد من أزهى عصور الثقافة العربية، عرف الانفتاح على مختلف الحضارات والثقافات، كما عرف حركة واسعة للترجمة شملت المؤلفات الهامة في مختلف العلوم ومختلف اللغات.

واتسع انتشار المكتبات في مختلف المدن العربية والإسلامية، واحتوت على عدد هائل من المؤلفات، بالإضافة إلى حركة الترجمة والحراك العلمي النشط في مختلف العلوم كالطب والكيمياء وعلوم اللغة وغيرها.

بداياته

نشأ الجاحظ فقيراً يتيماً في أحياء البصرة، وبدأ بالاختلاف إلى مجالس العلماء في سنّ صغيرة رغم عمله الشاق في بيع الخبز والسمك، وهناك قرأ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ اللغة على يد ثلة من خيرة علماء عصره، كالأخفش وغيره.

اطلع الجاحظ خلال رحلته مع القراءة على الكثير من الكتب المترجمة عن لغات وثقافات متنوعة كالفارسية واليونانية والهندية|، ثم لمع نجمه، وطار اسمه بين أهل العلم مع كثرة مؤلفاته، وتنوع موضوعاته، وروعة أسلوبه، فانتقل إلى بغداد، وتصدر للتدريس، وقصده طلّاب العلم من كل مكان.

أشهر مؤلفاته

يعتبر الجاحظ واحداً من أكثر الكتاب في العالم غزارة في الإنتاج، وقد ترك أكثر من 350 مؤلفاً تنوعت بين مختلف المجالات،. ومن أهم هذه المؤلفات:

كتاب الحيوان: ويصنّف هذا الكتاب كدائرة معارف واسعة تعطي صورة كاملة عن الملامح الثقافية والعلمية والأدبية للعصر العباسي.

البيان والتبيين: تَنصَبُّ أفكار ُهذا الكتاب حول البلاغة والأدب، ويتركز حول فلسفة اللغة وعلوم البلاغة.

البخلاء: من أشهر كتب الجاحظ، استخدم فيه أسلوب السرد القصصي أحوال البخلاء وطبائعهم، بأسلوب فكاهي.

التاج في أخلاق الملوك: يتحدث عن صفات الملوك وطبائعهم وبعض القصص عن ملوك الفرس والخلفاء الأمويين والخلفاء العباسيين، وآداب التعامل مع الملوك و مجالستهم ومحادثتهم في مواقف الجد والهزل.

الرسائل: وضع الجاحظ عدداً كبيراً من الرسائل التي تتناولت مختلف ضروب الأدب والفكر، ومن بينها: مناقب الترك. البلاغة والإيجاز. الجد والهزل. الحاسد والمحسود. التربيع والتدوير. الأوطان والبلدان.

قتلته الكتب

كان الجاحظ محبا للقراءة والكتب ومولعاً بها، وقد قيل عنه في هذا الشأنه أنه "لم يرَ قطُّ ولا سَمِعَ من أحبَّ الكتُبَ والعلومَ أكثرَ من الجاحظ..لم يقع بيده كتابٌ قط إلّا استوفى قراءَتَه كائِنًا ما كان."

يقال أنه كان يؤجر دكاكين الوراقين (أي بائعي الكتب) ويبيت فيها الليل كله لتصفح الكتب وقراءتها دون ملل، والجاحظ هو القائل: "الأدب هو عقل غيرك تضيفه إلى عقلك."

لكن الغريب أن الكتب التي قضى الجاحظ عمره كله في قراءتها كانت سبباً في وفاته، حيث مات الجاحظ بسبب وقوع مكتبته بما فيها من كتب عليه، وكان حينها مقعداً لا يستطيع إنقاذ نفسه.

وهكذا مات الجاحظ أبو الأدب عن عمر ناهز 96 عاماً، مخلفاً وراءه ثروة فكرية وتراثاً ثقافياً بلا مثيل.