الشاعر الفارس عنترة بن شداد

  • بابونجبواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الثلاثاء، 22 ديسمبر 2020
الشاعر الفارس عنترة بن شداد
مقالات ذات صلة
حسان بن ثابت.. الشاعر المخضرم الذي أحبه الرسول
أحمد مطر.. شاعر الهجاء والسخرية الذي مات معزولا
مستور العصيمي: رحيل «شاعر المحاورة» الذي صور حياة الناس في شعره

في رمال "نَجد" غرس عنترة بن شداد رمحه، فكان راية الفارس المقدام كريم الخصال، وتلك الراية لم يطويها الردى كما انطوت قصص الكثير ممن عاشوا في الصحراء العربية، فالشعراء لا يموتون كما يقول الشاعر السوداني محمد الفيتوري، وقصائد عنترة التي خلدت فعاله هي الشاهد على ذلك القول. في قصائد عنترة تجليات عيشة الأحرار الذين يرفضون قيود العبودية، فعنترة لم يكن كسائر الرقيق، يقبل الضيم، ويخشى التمرد على من يظلمه، وإنما نال حريته بحسامه، وعندما أحب كان ذلك العاشق العفيف الذي يخوض غمار الموت من أجل محبوبته، يذود عن ذلك الحب، ويقدس تفاصيله.

 

نشأة الشاعر عنترة بن شداد

ولد عنترة في نجد بالجزيرة العربية عام 525ميلادي، والده شداد من قبيلة عبس وكان فارساً له مكانةٌ مرموقة لدى قومه، أما والدته فهي زبيبة وهي امرأة حبشية أسرها شداد والد عنترة، عند ولادة عنترة رفض شداد أن يتبعه بنسبه، حيث كان لدى العرب عادة بألّا يعترفوا بنسب أبناء الإماء.

أُطلق على عنترة لقب غراب العرب من قبل بني قومه؛ نسبةً لشدة سواده، وكانت زوجة والده والتي تدعى سمية، تكنُّ له الكره، ولرغبتها في أن ينال عنترة الأذى، اتهمته أمام والده شداد بأنه يراودها عن نفسها، فانهال شداد بالضرب على عنترة وضربه بسيفه حتى أثخنه بالجراح، ولم يتوقف شداد عن تعذيبه، حتى رق قلب زوجة أبيه فطلبت من شداد أن يتوقف؛ لما رأت من جراحٍ في جسد عنترة، وعلى إثر ذلك أنشد عنترة قصيدته التي يقول فيها:

أمن سميّة دمع العين مذروفُ....لو أن ذا منك قبل اليوم معروفُ

كأنها يومَ صدَّتْ ما تُكلِّمُني........ظَبيٌ بعسفان ساجي العين مطروفُ

تجلّلتْني إذ هوَى العصا قبلي.....كأنها صنمٌ يعتادُ معكوفُ

العبدُ عبدُكُمْ والمالُ مالكم.....فهل عذابك عني اليوم مصروفُ.

 

شجاعة عنترة حرّرته من عبوديته

بقي عنترة في سنينه الأولى يعاني اضطهاد والده ونظرة قومه الدونية، وكانت تقتصر أعماله على رعي الإبل وحلب الشياه، على الرغم من أن والده شداد كان يعلم ما لديه من شدة بأس وشجاعة، إلا أنه كان يغفل ذلك، واستمر الأمر كذلك حتى وقع غزوٌ على قبيلة بني عبس من قبل قبيلة بني طيء، وأخذوا نوق بني عبس وماشيتهم، وعندها طلب شداد من عنترة بأن يساند القوم، فأجابه عنترة قائلاً: "العبد لايجيد إلا الحلاب والصر، فقال له شداد: "كرْ فأنت حر"، وعندها اندفع عنترة يذود عن حياض قومه، وكان يقول:

أنا الهجين عنتره...كل امرئٍ يحمي حرّهُ

أسوده وأحمره.....والشعرات المشعره

وتمكن من استعادة ما سلبه الغزاة، ومن بعد ذلك اعترف به شداد واتبعه لنسبه.

 

فروسية عنترة وشجاعته الحكيمة

كان عنترة عبداً يعيش حياة باقي عبيد القوم حتى نال حريّته (كما أسلفنا)، وبعدها أصبح عنترة فارساً من فرسان قومه، وبرزت فروسية عنترة وشجاعته أثناء حرب داحس والغبراء (وهي من أطول الحروب، نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان إثر خسارة قيس بن زهير العبسي في سباق الخيل أمام زعيم الذبيانيين حذيفة بن زهير، وسميت داحس والغبراء باسمها نسبةً إلى الفرسين اللذين أجري بهما السباق، واستمرت 40عاماً)، حيث كان عنترة مقاتلاً شجاعاً حكيماً لا يعتمد فقط على قوته البدنية ومهارته في القتال، وإنما كان لخبرته دوراً في الشهرة التي اكتسبها في ساحات الوغى.

ويعزو عنترة انتصاراته في المعارك والشهرة التي حققها إلى خبرته وذكائه حيث يقول: "كنتُ أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل موضعاً لا أرى لي منه مخرجاً، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة التي يطير لها قلب الشجاع، فأثني عليه وأقتله".

ومن المعارك التي اشتهر فيها عنترة وذاع فيها صيت فعاله_ضمن حرب داحس والغبراء_معركة يوم الفروق والتي دارت رحاها بين قبيلة عبس وقبيلة بني تميم (إحدى حلفاء بني ذبيان)، وفيها أبلى عنترة بلاءً حسناً، كما أنه قاتل بشجاعة في معركة ذات الجراجر، والتي دامت يومين وذاع صيت عنترة على إثرها بين أبناء قومه، حيث كان حديثهم شجاعة عنترة وفعاله.

ولما أراد فرسان بني عبس النزول إلى بني سليم حلفاء الذبيانيين، لحقهم الذبيانيون بقيادة حذيفة بن بدر، ودارت بينهم معركة انتصر فيها الذبيانيون، وفرّ فرسان بني عبس، وبقي عنترة دون النساء يدافع عنهم، حتى عاد فرسان بني عبس واحتدمت المعركة من جديد وهزم فيها بني ذبيان.

 

عنترة وعبلة وقصة حبٍّ تخلّدت في ذاكرة العرب

تفتَّح قلب عنترة على حبِّ ابنة عمه عبلة مذ كان عبداً لدى والده شداد، وغالى بحبها، لكنه كان يدرك أنه من الصعب أن يتزوجها حيث كان يُعتبر دونها منزلة، وأصبحت عبلة ترافق كل قصائد عنترة، يذْكرها ويتفاخر أمامها بشجاعته وفعاله، أو يتذكرها ويتحدث عن لوعة العاشق الهائم.

وكانت بداية قصة عشقه لعبلة، عندما كان يدخل اللبن إلى زوجة أبيه سمية (حيث كان العبيد يحلبون النوق والماشية، ثم يأخذون اللبن إلى النساء اللواتي يعتبرن سيداتهم)، فوجد ابنة عمه عبلة وقد فردت شعرها وكانت زوجة أبيه تمشطه لها، فأصاب قلبه سحر ابنة عمه، وكانت أولى قصائده التي يصف فيها عبلة على إثر تلك الحادثة:

بيضاء تسحبُ شعرها من طولهِ....وتغيبُ فيهِ وهو ليلٌ أسحمُ

فكأنها فيه نهارٌ طالعٌ......وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ

زادت محاسنها على من حولها.....فسعى بخدمتها الجميعُ ويمموا

وكأنه بدرٌ بدا في تمّه....لمّا بدا خفيت لديه الأنجمُ

وهناك اختلاف حول ما إذا كان حب عنترة وعبلة قد تتوج بالزواج، أم أنه كان حباً عذرياً لم يثمر في نهاية المطاف، ومن الذين قالوا بأن عنترة قد تزوج عبلة الأديب وعالم اللغة الأصمعي، بيد أن في قصائد عنترة ما يشير إلى عكس ذلك، حيث يتبين من أشعاره أنه طيلة حياته بقي يشتاق ويطلب الود من عبلة، ويمجد حبها في قلبه، حيث يقول في إحدى قصائده:

لا تصرميني يا عبيل وراجعي....في البصيرة نظرة المتأملِ

فلربَّ أملحَ منك دلاً فاعلمي....وأقرُّ في الدنيا لعين مجتلي

وصلت حبالي بالذي أنا أهله....من ودّها وأنا أرخي المطوَّل

لكن رغم الاختلاف حول إذا كان عنترة وعبلة قد تزوجا أم لا، فإن قصة حبهما تعد من أنبل وأشهر قصص العرب، كما أن عنترة يعتبر من الشعراء الذين اقترن اسمهم باسم محبوبتهم، فيقال: عنتر عبلة، كما يقال: قيس ليلى، وجميل بثينة، أو كثيِّر عزة.

حب عبلة جعل عنترة يخوض غمار الموت

لم يتخلَّ عنترة عن حب عبلة على الرغم ما وقع عليه من ظلم أهلها وقومها، بل لأجلها كان يخوض غمار المعارك ويدفع الأذى عن أهلها، فحب عبلة كان يزداد في قلب عنترة يوماً بعد يوم، فيقول واصفاً ذلك:

أَلا يا عَبلَ قَد زادَ التَصابي...... وَلَجَّ اليَومَ قَومُكِ في عَذابي

وَظَلَّ هَواكِ يَنمو كُلَّ يَوم...... كَما يَنمو مَشيبي في شَبابي

عَتَبتُ صُروفَ دَهري فيكِ حَتّى.....فَني وَأَبيكِ عُمري في العِتابِ

وَلاقَيتُ العِدا وَحَفِظتُ قَوماً......أَضاعوني وَلَم يَرعَوا جَنابي

طيف عبلة دواء عنترة الوحيد

يقاسي عنترة من حر الشوق، فهو دنفٌ في بعاد الحبيب، وهو يكابد الجفاء، في حين أن غيره موصولٌ بأحبته، ويستعين عنترة بتذكر عبلة، فطيفها، والنسيم الذي يهبُّ من ديارها محملاً بريحها، يشفي سقمه ويروي أشواقه المتقدة، فيقول واصفاً ذلك:

حَسَناتي عِندَ الزَمانِ ذُنوبُ.....وَفَعالي مَذَمَّةٌ وَعُيوبُ

وَنَصيبي مِنَ الحَبيبِ بِعادٌ.....وَلِغَيري الدُنُوُّ مِنهُ نَصيبُ

كُلُّ يَومٍ يُبري السُقامَ مُحِبٌّ....مِن حَبيبٍ وَما لِسُقمي طَبيبُ

فَكَأَنَّ الزَمانَ يَهوى حَبيباً........وَكَأَنّي عَلى الزَمانِ رَقيبُ

إِنَّ طَيفَ الخَيالِ يا عَبلَ يَشفي......وَيُداوى بِهِ فُؤادي الكَئيبُ

وَهَلاكي في الحُبِّ أَهوَنُ عِندي..........مِن حَياتي إِذا جَفاني الحَبيبُ

يا نَسيمَ الحِجازِ لَولاكِ تَطف......نارُ قَلبي أَذابَ جِسمي اللَهيبُ

لَكِ مِنّي إِذا تَنَفَّستُ حَرٌّ..........وَلِرَيّاكِ مِن عُبَيلَةَ طيبُ

ذكر عبلة يلازم عنترة في المعارك

بلغت درجة حب عنترة لعبلة، أنه حتى في أقسى اللحظات كان يتذكرها، فحين كان يحمى وطيس الوغى يحوم طيف عبلة أمام ناظري عنترة، فيجدها تلازم ذاكرته وتشغل قلبه وهو يُعْمِل رماحه ليقتل خصومه، فيتراءى له طيف عبلة في لمعان السيوف، وقراعها، فيقول واصفاً ذلك:

وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ....مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها....لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ.

 

معلقة عنترة بن شداد

بعد إحدى المعارك التي خاضها عنترة مع قومه ضد قبيلة ذبيان وأبلى فيها بلاءً حسناً بشجاعته ونبل أخلاقه، عيره أحد أبناء قومه بسواده في أحد مجالس القوم، فرد عنترة بمعلقته، واصفاً جوده وشجاعته ورفضه الذل والظلم، ثم يصف فرسه رافعاً إياها إلى منزلة البشر، ولجودة إيقاعها وموسيقاها، وقوة صورها ومتانة تراكيبها، أصبحت تعرف بين العرب بالقصيدة الذهبية.

معلقة عنترة بن شداد

هل غادرَ الشّعراء من مُتَردمِ ... أم هل عرفتُ الدّار بَعدَ توهمِ

يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تَكَلّمِي ... و عمي صباحاً يا دارَ عبلةَ و اسْلَمِي

فَوَقَفَتْ فِيْهَا نَاقَتِي و كَأَنَّهَا ... فَدَنٌ لأقضي حاجةَ الُمتَلَوِّمِ

و تحلُّ عبلة بالجواءِ و أهلُنَا ... بالحزنِ فالصمّانِ فالمتَثلِّمِ

هلّا سألتِ الخيلَ يا ابنة مالكٍ ... إنْ كُنْتِ جاهلةً بِمَا لَمْ تَعْلَميْ

يُخْبُركَ من شَهدَ الوقيعةَ أنّنِي ... أغْشَى الوغَى وأعفُّ عندَ المغنمِ

ومدجّجٌ كَرَهَ الكُمَاْةُ نزَاْلَهُ ... لا مُمْعناً هرباً ولا مستسلمِ

جَادتْ لهُ كفّي بعاجلِ طعنةٍ ... بمثقفٍ صدقَ الكعوبِ مقومِ

فَشَكَكَتُ بالرّمحِ الأصَمّ ثيابَه ... ليسَ الكريمُ على القنَا بمحرمِ

يدعونَ عنترَ و الرّمَاحُ كَأَنّهَا ... أشطانُ بئرٍ فيْ لِبَانِ الأدْهمِ

ما زِلْتُ أَرْمِيْهُم بثغرةِ نَحْرِهِ ... و لبِانِه حتّى تَسَرْبَلَ بالدمِ

فازورَّ من وقعِ القنا بلبانِه ... و شكَا إليَّ بعبرةٍ و تَحَمْحُمِ

الشرح: يبدأ عنترة معلقته بالتساؤل عما لم يصفه الشعراء في قصائدهم، ثم عن أهل الديار أين رحلوا، ويلقي سلامه على دار محبوبته، ثم ينتقل، ليصف ناقته مشبهاً إياها كقصرٍ في العظمة والضخامة، وبعدها ينتقل ليدعو عبلة كي تسأل عن فعاله في ساحات المعارك ويخبرها أنه لا يخشى أعتى الفرسان في حين غيره يخافهم.

كما أنه كريم النفس مترفعٌ عن الغنائم، ولا ينسى عنترة جواده الذي يشكل جزءاً من روحه ويشعر بما يشعر به صاحبه ويحزن لحزنه، فيرفعه إلى قائمة البشر ويعامله كإنسان، وهو ما لم يسبقه شاعرٌ جاهليٌّ إليه في وصف الراحلة من حصانٍ أو ناقة...الخ.

 

البطولة النفسية والأخلاق الكريمة في شعر عنترة

يظهر عنترة في معظم قصائده افتخاراً بالمثل والقيم الأخلاقية الكريمة التي يتمتع بها، وهو بذلك يرسم صورة الفارس الكاملة ويجد فيها عزاءً له عن عبوديته وحياة الرق التي عاشها في كنف والده، وبذلك يرسم لنفسه صورة الأحرار، كما أن عنترة له منظور في الفروسية لا يقتصر فقط على الفعال في المعارك والرجولة والقوة.

بالإضافة إلى الشجاعة ومهارة القتال، بل أن الفارس بمنظور عنترة لا تكتمل خصاله إلا إذا كان كريماً عفيف النفس يترفَّع عن صغائر الأمور، وينجد الملهوف، ويتحلى بالصبر ومكارم الأخلاق، وكان لدى عنترة حبٌّ بأن يذيع صيت أخلاقه الكريمة لدى الناس وأيضاً لدى محبوبته، بما لا يقل عن رغبته بأن يذيع صيت شجاعته وفعاله في المعارك.

عنترة الفارس الجواد

لم يكن عنترة محباً لنفسه ويصبو فقط لتحقيق غاياته، وإنما كان يؤثر غيره على نفسه، فهو إذا حصل على طعامِ فبالطبع لن يبقَ غيره _ ولاسيما أخوته_ جائعين، لأنه سيقسم ما يحصل عليه بينهم، فهذا هو يصف جوده وإنه إذا ما حصل على رزق، فبالتأكيد أهله لن يكونوا في سوء الحال، ويخبر عنترة في قصائده محبوبته عبلة بكرم أخلاقه، ويظهر ذلك بقوله كما علمتِ، فيقول عنترة واصفاً ذلك:

فإذا شربت فإني مستهلكٌ.....مالي وعرضي وافرٌ لم يكْلمِ

وإذا صحوتُ فما أقصر عن الندى.....وكما علمتِ شمائلي وتكرُمي

الرقة والشدة تجتمعان في شخص عنترة

تجتمع في عنترة خصال الفارس الحكيم والنبيل، فهو لين رقيقٌ في السلم، وشديدٌ في الحرب، كما أنه يحسن معاملة الناس الذين يحسنون معاملته، فيبادلهم الطيب بالطيب، أما الناس الذين يسيئون معاملته ويظلموه، فإن رده يكون صلباً، يجعلهم يهابون ظلمه، أو إساءة معاملته، وفي ذلك يقول:

أثني عليَّ بما علمتِ فإنني.....سمحٌ مخالقتي إذا لم أظلمِ

فإذا ظلمتُ فإن ظلمي باسلٌ...مرٌّ مذاقهُ كطعمِ العلقمِ

عنترة الفارس الصبور الذي يرفض الضيم

لم يكن عنترة فقط فارساً شجاعاً، و مقاتلاً فذاً في ساحات الوغى وإنما أيضاً كان ذلك الشاعر الذي يفتخر بعزة نفسه ورفضه الذل والضيم، فقد كان يفضل أن يبقَ جائعاً، على أن يتذلل في طلب قوته، وهو أيضاً الفارس الذي لا يُخفى صيته على أحد، ويصف ذلك قائلاً:

قد أبيت على الطوى وأظله....حتى أنال به كريم المأكلِ

وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت.....ألفيت خيراً من معم مخولِ

والخيل تعلم والفوارس أنني......فرقت جمعهم بطعنة فيصلي

كما يصف عنترة صبره وتحمله المصاعب، في حين يضعف غيره من الناس، أو يستسلمون، فإنه يبقى الرجل الصبور والثابت صاحب النفس القوية، وفي ذلك يقول:

وعرَفتُ أن منيَّتي إن تأتني....لا ينجني منها الفرارُ الأسرعُ

فصّبّرّت عارفةً لذلك حرّةً....ترسو إذا نفس الجبان تطلَّعُ.

 

البطولة الحربية ووصف المعارك والأسلحة

يصف عنترة في قصائده بطولته وشجاعته وفعاله في ساحات الوغى فهو الفارس الذي لا يخشى ملاقاة الشجعان والأقوياء، وهو الفارس الذي إذا حضر المعارك خافه الأعداء وارتعدت فرائصهم خوفاً، وهي الصورة التي يبرزها عنترة ليظهر أنه من الرجال الأحرار، وإن كان عبداً فيما سلف، حيث أن رغبة عنترة في أن تكون له مكانة الأحرار في قبيلته بالإضافة إلى حب ابنة عمه عبلة كانا الدافعين النفسيين اللذين يقفا وراء إبراز عنترة لبطولاته وافتخاره بها ولا سيما في أكثر قصائده.

عنترة الفارس الذي يذود عن أعراض قومه

كان عنترة يفتخر بأنه الفارس الذي يذود عن أعراض قومه، ويحمي نساء الحي، ويحفظ حريتهم وحياتهم، ويصف عنترة إنقاذه لإحدى نساء قومه من الأسر في الحرب، وكيف صان لها عزتها وحريتها _ويشير بذلك إلى محبوبته عبلة، كأنه يقول لها أنه الجدير بحمايتها_ حيث تمكن من حمايتها وحفظ حياتها بعد أن حاول الأعداء أسرها، فيقول:

ومُرْقصة رددتُّ الخيلَ عنها....وقد همّت بإلقاء الزمامِ

فقلتُ لها أقصري منه وسيري....وقد قرِعَ الجزائرُ بالخدامِ

أكرُّ عليهم مهري كليماً....قلائدهُ سبائبٌ كالقرامِ

كما يصف أنه يحمي عرض رجال القوم، حتى وإن نالوا منيتهم في المعركة فيقول:

وقد أطعنُ الطعنةَ النجلاء عن عرضٍ....تصفّر كفُّ أخيها وهو منزوفُ

الموت والهزيمة مصير من يقاتل عنترة

لا أحد يستطيع مجاراة عنترة والانتصار عليه في القتال، إذ يصف عنترة نهاية خصومه بالنهاية القاسية، فالموت آتٍ لا محالة على كل من يقاتله، والهزيمة هي الشيء الوحيد الذي يمنى به خصومه، ويتحدث في إحدى قصائده عن مصير فارسين من أشد فرسان قبيلة ضبة، حيث جعل من أجسادهم طعاماً لوحوش البادية، كما كسر شئمتهم، فيقول:

وعمراً وحيانا تركنا بقفرةٍ.....تعودهما فيها الضباع الكوالحُ

يجرّرنَ هاماً فلقتها سيوفنا.....تّزّيَّلُ منهنَّ اللحى والمسائحُ

إقدام عنترة جعله لا يأبه بالموت

يتفاخر عنترة بأنه لا يهاب الموت، بل إن الموت أضحى كأنه جزءٌ من حياة عنترة، يقتحم عباب الوغى دون أن يأبه به، ودون أن يخشَ منيته، وهو ما يميزه عن غيره من الناس الذين يهابون الموت ولا يقدمون، ورغم أن محبوبته عبلة تطلب منه مراراً وتكراراً بألا يخاطر بحياته خوفاً عليه، إلا أنه لا يكترث بذلك لأن الشجاعة والإقدام أشياءٌ لا يتخلى عنها عنترة، ويصف ذلك قائلاً:

بكرت تخوفني من الحتوف كأنني .. أصبحت عن غرض المنون بمعزل

فأجبتها إن المنية منهل .. لابد ان أسقى بكأس المنهل

فاقني حيائك لا أبا لك واعلمي .. أني امرؤ سأموت ان لم أقتل

إن المنية لو تمثل مثلت.......مثلي إذا نزلوا بضنكِ المنزلِ

وإذا حملتُ على الكريهة لم أقل...بعد الكريهة ليتني لم أفعلِ.

 

مقتل الشاعر عنترة بن شداد

يختلف الرواة حول قصة مقتل عنترة، لكن هناك إجماعٌ حول موته قتلاً، ومن أكثر الروايات تكراراً وإجماعاً هي التي يقول بها أحمد بن عبد ربه مؤلف كتاب الأغاني، ويؤيده المؤرخ وعالم الأنساب أبو منذر هشام بن محمد ابن الكلبي (ويكنى بابن الكلبي)، وتقول روايتهما: إن عنترة قد قتل على يد أحد رجال قبيلة طيء، إذ أغار عليهم، وكان عندها طاعناً بالسن يبلغ السبعين عاماً، فتمكن وزر بن النبهاني والمكنى بالأسد الرهيص (شاعر وفارس من قبيلة طيء)، من أن يرميه برمحه وهو على فرسه، فأصابه في مقتل، وما يؤكد ذلك هو إنشاد الأسد الرهيص متفاخراً بأنه قتل عنترة، فقال:

أنا الأسد الرهيص قتلتُ عمراً...وعنترة الفوارس قد قتلتُ

ويكمل ابن الكلبي روايته قائلاً: إن عنترة تمكن من التماسك وتحمل جراحه حتى وصل ديار أهله، وأنشد عليهم قصيدته التي يبين فيها من هو قاتله ويطلب من قومه ألا يضيعوا دمه، فقال:

إن ابن سلمى عنده فاعلموا دمي.....وهيهات لا يرجى ابن سلمى ودمي

إذا ما تمشى بين أجيال طيء......مكان الثريا ليسَ بالمتهضمِ

رماني ولم يدهش بأزرق لهذمِ......عشيّة حلّوا بين نعفٍ ومخرمِ

وابن سلمى هو وزر بن النبهاني المكنى بالأسد الرهيص.

أخيراً... تعد سيرة حياة عنترة من أكثر سير شعراء الجاهلية التي اختلف حولها علماء الأنساب والمؤرخون، ولا سيما من حيث زواجه من عبلة ووفاته، لكن الجوانب الأخرى من حياة عنترة وسمات الفارس المقدام، وصاحب الخلق الكريم، لم تكن محط اختلاف، وإنما هي أشياء ميزت عنترة عن غيره من فرسان عصره، وغيره من الشعراء، فقلة من الشعراء من كان يجمع بين الفروسية والشجاعة، والأخلاق الكريمة.

وحتى الآن صورة عنترة في أذهان الناس هي صورة ذلك الفارس القوي عريض المنكبين، شديد البأس والذي لا يتمكن أحدٌ من هزيمته، وهي أشياءٌ كرستها الدراما من مسلسلات وأفلام عُرضت عن حياة عنترة، وعرضت قوته البدنية بصورة مبالغ بها، فقد تكون قوته البدنية بالصورة التي يعتقدها الناس، أو قدراته في المعارك، حملت طابعاً من الخيال الجامح، بيد أن ذلك لا ينفي أن عنترة كان فارساً وشاعراً وحامياً لعرض قومه، ورافضاً الضيم و الذل، ونافضاً عنه كل شيمة دنيئة، وذلك يظهر في جميع قصائد عنترة ولا سيما تلك القصائد التي يذكر بها محبوبته عبلة ويؤكد لها نبل شيمه، ويساوي بين شجاعته وفعاله في المعارك وبين أخلاقه الكريمة التي تجعله مترفعاً عن الصغائر.