الشاعر طلال حيدر.. آخر صعاليك العرب

  • تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019
الشاعر طلال حيدر.. آخر صعاليك العرب
مقالات ذات صلة
وداعاً وحيد حامد: غول الكتابة السينمائية الذي قهر الظلام
نجوم برعوا في أدوار مصاصي الدماء: من الأفضل برأيك؟
قصة وراء اسمه: ما لا تعرفه عن الفنان الراحل المنتصر بالله

قيل أنه "يوسفُ" الشعر المحكي، وقيل أنه شاعر الجنون، كيف لا وهو مصابٌ بهوس الشعر المستحيل، كما أنه نبّالٌ من سحرةٍ ماهرين، يغمض عينيه ويرمي سهام صوره الشعرية، فيصيب الأفئدة في العماء الكامل وفي الليل الكامل، الشاعر اللبناني طلال حيدر الذي أوصل اللغة المحكية إلى مطارحٍ لم تحلم بها على يد غيره.

<

p>قرأ تفاصيل بعلبك كتاباً زاخراً بالصور الشعرية، وحمل رائحة الصفصاف ونثرها بين سطور قصائده، فتجلت كآياتٍ تختصر تفاصيل بعلبك، وتفتح نوافذ اللغة إلى ما هو أعمق من اللغة وأبعد من المألوف، فكيف كان لشاعرٍ مثل طلال حيدر أن يلقي عصاه الشعرية، فلا تتحول إلى أفعى وإنما إلى بيلسانٍ حقيقي ومطرٍ، وقصبٍ حقيقي يسكن سويداء القلب؟

بداية مسيرة الشاعر طلال حيدر

ولد طلال حيدر في 22 آب/ أغسطس عام 1937 في بعلبك، كان أبوه علي مالكاً لمساحاتٍ كبيرة من أراضي بعلبك، ثم ما لبث أن باع الكثير من أراضيه وأملاكه، ما جعل أسرة طلال حيدر تعيش حالةً من الفقر، دفعتهم إلى الانتقال لطرابلس عام 1948 للعمل هناك. كان حيدر منذ طفولته والتي عاش معظمها في بعلبك لصيقاً بالطبيعة وبالفلاحين وأشجار الصفصاف، هذا ما ظهر في شعره وقصائده فيما بعد. درس الفلسفة ثم انتقل إلى جامعة السوربون في فرنسا ليكمل دراسته فيها، عاد إلى لبنان ليعمل كمدرس.

لكنه لم ينجح بمهنة التدريس، لأنه كان يرى بأن أحلامه وأفكاره لا يمكن أن تحجز في غرفة الصف، ووصف نفسه بالمدرس الفاشل في أحد لقاءاته ببرنامج حوار العمر على قناة (LBC).

طفولة الشاعر طلال حيدر

كانت بعلبك بكل ما فيها من تفاصيل، كتاباً قرأه طلال حيدر بعيون الشعراء منذ الصبا، فتفتح في سطور قصائده، ومن تلك التفاصيل التي أثارت حفيظته في الطفولة؛ الكلام الذي كان يسمعه على لسان البدو الذين كان والده يتعامل معهم، ومن أشهر العبارات التي لم تمحَ من ذاكرة طلال هي: "حزن الصفصاف يا علي"، وهي عبارةٌ سمعها على لسان أحد البدو الذي كان يتكلم مع والد طلال، إذ كان يصف له قدوم الخريف بتلك العبارة.

فقرأها طلال بما هو أعمق مما قيل، فدخل بين الحزن والصفصاف، ولمس ما لم يقال، وعن تلك العبارة تحدث طلال في لقائه مع زاهي وهبي ببرنامج بيت القصيد قائلاً: "وفي عبارة حزن الصفصاف يا علي؛ قرأتُ الحبر الذي يكتب بين الحزن والصفصاف، على الرغم من أن والدي لم يكترث للمعنى آنذاك"، منذ ذلك الحين أصبح يدرك أنه منذورٌ لشيءٍ لم يعرف ما هو.

ومن المواقف التي كرست لديه ذلك الإحساس، هو اعتياده في طفولته أن يحشو الوسائد _في فترة آخر الصيف_ بورق الصفصاف، فتعرض للمعاقبة من والدته و أخته في إحدى المرات، إثر قيامه بذلك و تلطيخه الوسادة في الوحل، فقال: " كل ما أردت أن أفعله هو أن أخبئ رائحة الصيف الذي رحل".

قصيدة فخار.. أول قصيدة لطلال حيدر

لم تثبت قصيدة طلال حيدر حتى عمر 17 عاماً، ففي ذلك العام بدأ رحلته الحقيقية في ميدان القصيدة المحكية اللبنانية، بعد أن فتح كل من سعيد عقل وميشيل طراد (من أهم الشعراء الذين ساهموا في تطور القصيدة المحكية اللبنانية، وغنت له فيروز عدة قصائد منها قصيدة جلنار)؛ الطريق للشعر اللبناني المحكي، وكانت بداية طلال الحقيقية في الشعر المحكي من قصيدة فخار، وبعد أن سمعها ميشيل طراد من لسان طلال حيدر قال: " الآن أكون مرتاحاً، لأني وجدت من يكمل الطريق عني"، ويقول طلال حيدر في قصيدة فخار:

نيال فخارا لها الجره ... فرحان عندو عيد

بيشرب ع طول نبيد ... سكران عمرو ما صحي مرّا

ومدري خدودو ليش محمرّا ... تخمين بوَّس شي مرا سمرا

تمّا غفي عا تمّ هالجره.

الشعر المحكي رهان برأي طلال حيدر

على اتساع اللغة العربية الفصحى، كان طلال يراها أضيق من أن تتسع لمشاعره، وبشكل خاص بالشعر، حيث كان يرى في بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي قيوداً وقوالباً جاهزة، تجعل الشاعر يكرر معانيه وأحاسيسه في قصائده.

على الرغم أنه كتب الشعر الفصيح في بداياته الشعرية، لكنه كان يرى أن اللغة المحكية هي التي ترافقه في كل حالاته حتى في مناماته، فكتب بها، وعن رهان الشعر المحكي قال طلال في لقاءٍ له على LBC: "الكتابة بالشعر المحكي رهان، ويخطئ من يقول أنها بديل للشعر الفصيح، هي رديف وحالة تطور لأنها بقيت على اللسان، يقول ابن الأثير: الأبلغ هو ما بقي على اللسان.

كما أن الشعر الفصيح يخضع لقوالب جاهزة هي بحور الخليل التي تجعل الشاعر يقع في فخ تكرار المعنى القديم، كما أن الشعر المحكي تطور للفصحى وليس محلياً، والمشكلة ليست بجسد اللغة بل بالشاعر بكيفية فتحه للحروف حتى تتسع للروح".

الصورة الشعرية عند الشاعر طلال حيدر

ما يميز شعر طلال حيدر هي الصور التي يستخدمها، ويجيد رصفها في بنيان قصائده، محافظاً على البساطة والعمق معاً، إذ يكتب ما لا يرى، ويخرج عن الحروفية الشعرية (أي المباشرة والصور التقليدية)، لأن طلال لا ينظر فقط بعينه إلى ما يكتب عنه بل يدخل بحواسه ولا وعيه حتى يصور ما هو أبعد من ظاهر الصورة، لأن الشعر عنده يكون شعراً بمقدار ابتعاد صوره عن المباشرة، ويضع _وفق مقياسه القائم على الصورة الشعرية_ مسافةً بين الشعر والنثر بعيداً عن أن الشعر له إيقاع وبحور.

والنثر لا يملك ذلك، حيث يرى أن النثر أياً كان موضوعه، يعتبر نثراً إذا كانت صوره مباشرة وقريبة جداً من الموصوف، أما الشعر فيبلغ التأثير ويستحق أن يكون شعراً كلما كانت الصورة بعيدة عن الموصوف، و هو ما يظهر في جميع قصائد حيدر.

طلال حيدر رفض أن يكون صدىً

يقول الشاعر اللبناني سعيد عقل عن الشعر: "والشعر قله رنين الكون.. قله صدىً ككف ربك إذ طنّت على الزمن"، وهو ما توافقه قناعة طلال حيدر بأن الشعر إذا لم يضف جديداً فإن وجوده وعدمه سيّان، والشاعر التقليدي يقع في فخ أن يكون صدىً لغيره، وأحياناً صدى لقصيدة له يكرر معانيها ولا يقدم جديداً، وهذا ما جعل طلال حيدر يغوص في أعماق خياله، ويرفض الصور المكررة والممجوجة من الشعر.

قصيدة وحدن حملت طلال إلى مطارحه

كانت قصيدة "وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان" من أكثر قصائد طلال حيدر التي انتشرت بين الناس، وبشكلٍ خاص بعد أن لحنها زياد الرحباني، وغنتها فيروز عام 1976، حيث فتح صوت فيروز نوافذ جديدة في القصيدة، لم تكن في بال طلال عندما كتبها، فتحققت بذلك مقولة طلال المشهورة: "القصيدة لمن يغنيها وليست لمن يكتبها"، وعن ذلك تحدث طلال في لقائه السابق ببرنامج بيت القصيد قائلاً: "في أغنية وحدن تنقلني ألحان زياد الرحباني وصوت فيروز إلى أبعاد لم أفكر بها أثناء كتابة القصيدة، وهم أضاءوا أبعاداً جديدة في روحي، تتفتح كل ما سمعت "وحدن" بصوت فيروز".

من يقف خلف سطور وحدن؟

كثيرةٌ هي القصص التي انتشرت عن الأشخاص الذين يقفون خلف سطور قصيدة وحدن، بين من يقصد الشاعر بوحدن؟ أو ما المناسبة التي دفعت طلال حيدر ليكتب القصيدة، ومن أشهر القصص التي انتشرت بين الناس حول القصيدة هي أن هناك ثلاثة فدائيين (سوري وعراقي وفلسطيني) كانوا يأتون كل يوم إلى إحدى الغابات الواقعة في بعلبك قبالة منزل طلال.

وكان طلال يراقبهم كل يوم في نفس الموعد عندما يدخلون الغابة ويخرجون منها، وبعد انقطاعهم مدة طويلة عن القدوم إلى الغابة، بدأ التساؤل يساور طلال حيدر، حتى سأل عنهم فتبين له أنهم استُشهدوا جميعاً في عملية فدائية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي (إذا بحث القارئ عن القصة الحقيقية لقصيدة "وحدن" في معظم مواقع الويب، سيصادف نفس القصة التي ذكرت)، بيد أن الحقيقة خلاف ذلك، ومن يقف خلف سطور وحدن ليس ثلاثة فدائيين، وإنما أراد بها أن تكون مجازاً، لا يقصد بها أشخاصاً محددين، وإنما كل أهله وكل الأشخاص الذين زرعوا في نفسه الحب.

فبقوا وحدهم خالدين في نفسه كزهر البيلسان، وكحبات المطر دائماً يطرقون أبواب ذاكرته، كما أراد بوحدن كل شخص زرع روح المقاومة وعلم الآخرين حمل البندقية ومواجهة الاحتلال، وعن ذلك قال في لقاءٍ له ببرنامج ديوان العرب على شبكة التلفزيون العربي: "كثيرة هي الروايات التي انتشرت عن قصيدة وحدن، ومنها من قال أنها للفدائيين، لكني أقصد فيها أهلي وكل شخص زرع فيّ الحب والحنان، وكل شخص علمنا أن نحمل البندقية ونواجه الصهاينة".

مقتطفات من قصيدة وحدن

وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان ... وحدهن بيقطفو وراق الزمان

بيسكرو الغابة ... بيظلهن متل الشتي يدقوا على بوابي

يا زمان يا عشب داشر فوق هالحيطان ... ضويت ورد الليل عكتابي

برج الحمام مسور و عالي ... هج الحمام بقيت لحالي

يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعو ا ... صرخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا.

"قصيدة طلال تُغني عن كل ما كتبنا لأجل فلسطين"

كانت تلك العبارة التي قالها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، واصفاً ما قاله طلال حيدر عن مأساة فلسطين، حيث حلق حيدر بعيداً عن الصور التقليدية التي يستخدمها معظم الشعراء في وصف مأساة فلسطين والقائمة إما على وصف وحشية الاحتلال، أو حجم الدمار.. مستبدلاً ذلك ببساطة العبارة وعمق الصورة، و صدق المشاعر، فقال:

لو عندي محارم سودا لشوشح فيها وودعكن ... جاي بندابة لبقاع تنوح تحت قناطركن

ولو رحتوا لحرق البيت اللي قبالي وبخاطركن ... كنا صغار وصوتك اللي ندهني من عز النوم

كسر العمر وصحاني وهبط هالنوم ... وفتح الجرح اللي بقلبي بضربة سكين

وحكالي عن فلسطين ... وجهك برج وعمرتو وعبيتو سلاح

وجهك قطعان المعزي بجبل التفاح ... وجهك يا فلسطين قزاز

خاتم ذهب ... وعلية وصندوق جهاز

وجهك شجر النوم اللي قبالي ... وجهك هالباب العالي

وجهك رعيان ... و إنت كتاب الحكايا وملك الزمان

إنت الرعد اللي عم يقصف بجبل الرعد ... إنت البرج اللي جاي و ما تعمر بعد

زمن البكي جاي على كل البيوت ... فتحي يا قدس بوابك وقوليلو يفوت.

من أجمل ما قال الشاعر طلال حيدر منين هن

لبسوا الكَفَافي ومشوا ... وما عرفت مينن هن..

ما عاد رح يرجعوا ... يا قلب حاج تعن

لا حصان جايب حدا ... ولا سرج عم بيرن

لك ضحاك ... سنك دهب

خليه يبان السن ... خليك متل القصب

كل ما عتق بيحن

بغيبتك نزل الشتي.. غناء مارسيل خليفة

بِغيبتك نزِل الشتي .... قومي طلعي على البال

في فوق سجادة الصلا .. والعم بيصّلوا قلال 

صوتن متل مصر المرا .. وبعلبك الرّجال 

ع كتر ما طلع العشب بيناتنا .. بيرعى الغزال 

وَدّيت مع راعي حماه .. يشفلي الطقس شمال 

قلي السنة جايي هوا .. بيوَقّع الخَيّال

ياريت ما سرجت الفرس .. ولا بْعَتتْ هالمرسال 

ركوة عرب.. غناء مارسيل خليفة

أحلى من الركوه ... على منقل عرب

أحلى من الفنجان ... حلوه متل عُبي القصب

خيط القصب تعبان ... جيبوا حدا من دمر يدقدق وشم

جيبوا من الهامة والوشم ... بن محمّص وهب الهوا شامي

غمازة لعالخد ... ما إلها اسم؟

وا��خد قدامي ... ومكحلي والكحل راسمها رسم.

أخيراً.. استطاع طلال حيدر أن يتجاوز بقصائده المكتوبة بالمحكية اللبنانية، حدود لبنان، فكما كان لعذوبة شعره وعمق صوره دوراً في اتساع دائرة شعره، كان لصوت فيروز وريشة مارسيل، كما أميمة خليل الحظ الكبير في جعل شعر طلال حيدر يتجاوز الإطار المحلي، ويضاهي بشهرته كبار شعراء الحداثة، ولا سيما أنه يعتبر لدى الكثيرين آخر عمالقة الشعر العربي، الذين يحملون عبء الرسالة قبل عبء القصيدة.