قصة بلقيس والشاعر نزار قباني وقصائد الحب والرثاء

  • تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الإثنين، 19 أكتوبر 2020
قصة بلقيس والشاعر نزار قباني وقصائد الحب والرثاء
مقالات ذات صلة
جدل في المغرب بعد "قضية حجز حمار"
إدوارد جينر وتاريخ الجدري والتطعيم
لماذا 10% فقط من الناس عُسْر

وجد نزار قباني في بلقيس السيدة التي حلم بها وأراد أن تكون زوجته إلى الأبد، فأحبها وانتظرها وواجه رفض ذويها بقصائده حتَّى استطاع أخيراً أن يصل إلى مراده، فلما انتزعت الحرب اللبنانية منه زوجته انكسر فؤاده وكتب واحدة من أشهر وأجمل قصائده في رثائها، فكان الحرف منتقماً وغاضباً وحزيناً في آنٍ معاً.

ما قصة حب بلقيس لنزار قباني؟ وكيف استطاع إقناع أهلها بعد أن رفضوه في البداية؟ وما القصيدة التي ألقاها نزار قباني في بغداد حتَّى تدخل الرئيس العراقي شخصياً في خطبة بلقيس من أهلها؟ هذا ما سنتعرف عليه وإياكم إضافة إلى النص الكامل لقصيدة بلقيس في نهاية هذه المادة.

كان اللقاء الأول بين نزار قباني وبلقيس في مدينة سامراء العراقية

في العراق ولدت قصة حب الشاعر السوري نزار قباني وبلقيس الراوي، حيث لفتت الفتاة العراقية انتباه الشاعر عندما كان يلقي قصائده في أمسية حديقة كلية التربية في بغداد عام 1962، وكان اللقاء الأول بينهما في مدينة سامراء ضمن دعوة على الغداء.

لكن هذه العلاقة لم تكن سهلةً بالنسبة لشاعرٍ له تاريخ طويل في الغزل بدأه بقصائد اتهمت بالفحش والانحلال، كما أن نزار قباني كان قد أنهى زواجه من زوجته الأولى زهراء منذ سنوات قليلة.

نزار قباني والرفض

تقدم نزار قباني لخطبة بلقيس من أهلها لكنهم عارضوا هذا الزواج لسببين رئيسيين، الأول كان تاريخ نزار قباني الشعري واعتقاد أهل بلقيس على ما يبدو أنَّ شاعراً "ماجناً" لن يكون صادقاً بمشاعره ولن يكون مخلصاً لابنتهم، كما أنَّه يتحدى بقصائده العادات والتقاليد.

أما السبب الثاني فهو أنَّ نزار قباني كان أكبر من بلقيس الراوي بحوالي ثماني عشرة سنة، كما أنَّ له تجربة زواج فاشلة انتهت بالطلاق بعد إنجاب طفلين.

هكذا واجه نزار قباني الرفض في بغداد، لكن هذ الرفض عرقل الزواج بصفته الرسمية ولم يعرقل المشاعر بين نزار وبلقيس، فبقي نزار قباني محتفظاً بمشاعره بعد مغادرة بغداد، وبقي التواصل بينه وبين بلقيس قائماً حتَّى عودته إلى بغداد ثانية ليكرر التجربة بصيغة مختلفة.

قصيدة "إفادة في محكمة الشعر" سلاح نزار قباني بمواجهة الرفض

عاد نزار قباني إلى بغداد عام 1969 تلبية لدعوة رسمية للمشاركة في مهرجان المربد الشعري، وهناك أشهر سلاحه الذي اعتاد عليه "الشعر".

ألقى نزار قباني قصيدته (إفادة في محكمة الشعر) أمام الحضور في أمسية بثها التلفزيون العراقي وحضرتها شخصيات مرموقة، وهناك من الحضور من كان يعلم مقصد نزار قباني من قصيدته هذه، والتي يقول في مطلعها:

مرحباً يا عِراقُ، جئتُ أغنيكَ وبَعضٌ من الغناء بكاءُ

مرحباً، مرحباً... أتعرفُ وجهاً حفرتهُ الأيامُ والأنواءُ؟

أكلُّ الحُبِّ من حشاشةِ قلبي والبقايا تقاسمتها النساءُ

كلُّ أحبابي القدامى نسوني لا نوار تُجيبُ أو عَفـراءُ

نزار قباني يتذكر اللقاء الأول مع بلقيس في سامراء:

مرحباً يا عراقُ، هلْ نسيَتْني بعد طول السنين سامراءُ؟

مرحباً يا جسور، يا نخل، يا نهر، وأهلاً يا عشـبُ، يا أفياءُ

كيفَ أحبابنا على ضفة النَّهر وكيف البساط والنـدماءُ؟

كان عندي هُـنا أميرة حبٍّ ثمَّ ضاعتْ أميرتي الحَسناءُ

أين وجهٌ في الأعظمية حلوٌ لو رأتْهُ تغارُ منه السـماءُ؟ (والأعظمية مسكن بلقيس)

نزار قباني يدافع عن قصائده التي كانت سبباً في رفضه من أهل بلقيس:

ما هو الشِعرُ إنْ غدا بهلواناً يتسلى برقصِه الخُلفاءُ

ما هو الشِعر حينَ يصبحُ فأراً كسرة الخُبز همُّه والغذاءُ

وإذا أصبحَ المُفكرُ بوقاً يستوي الفكرُ عندها والحذاءُ

يُصلبُ الأنبياءُ مِن أجل رأيٍ فلماذا لا يُصلبُ الشُعراءُ؟

(...)

أنا ما جئتُ كي أكون خطيباً فبلادي أضَاعَـها الخُطباءُ

إنَّني رافضٌ زماني وعصـري ومِن الرفضِ تولدُ الأشياءُ

أصدقائي حكيتُ ما ليسَ يُحكى وشـفيعي طـفولتي والنَّقاءُ

إنَّني قادمٌ إليكـُم وقلبي فوق كفي حمامـةٌ بيضاءُ

افهموني فما أنا غير طـفلٍ فَوقَ عينيِهِ يستحمُ المساءُ

أنا لا أعرفُ ازدواجيةَ الفِكر فنفسي بحيرةٌ زرقاءُ

لبلادي شِعري ولستُ أبالي رَفضتْهُ أم باركتُه السماءُ

زاوج نزار قباني من بلقيس القصيدة المتوحشة

فعلياً وصلت قصيدة (إفادة في محكمة الشعر) إلى مرادها، وتكللت أمسية قباني بزواجه من بلقيس بعد أيامٍ قليلة من الأمسية، حيث تدخل في الوساطة الرئيس العراقي أحمد حسن البكر.

انتقل الشاعر وزوجته إلى بيروت، حيث افتتح نزار قباني دار نشرٍ باسمه وعملت بلقيس في السفارة العراقية في بيروت، كما أثمر هذا الزواج عن طفلين هما زينب وعمر.

عام 1970 أصدر نزار قباني ديوانه (قصائد متوحشة)، وتستوقفنا في هذا الديوان القصيدة الشهيرة التي لحَّنها وغنَّاها كاظم الساهر، والتي كانت من وحي علاقة نزار قباني بحبيبته وزوجته بلقيس:

أحبيني بلا عُقدِ وضِيعي في خُطوطِ يدي

أحبيني لأسبوعٍ، لأيامٍ، لساعاتِ،؛ فلستُ أنا الذي يهتمُّ بالأبدِ

أنا تشرين شهرُ الرِّيح والأمطارِ والبردِ

أنا تشرينُ فانسحِقي كصاعقةٍ على جَسدي

 

صبَّ نزار قباني كل غضبه وخيبته في رثائه لبلقيس

في الخامس عشر من الشهر الأخير من عام 1981 دوى انفجارٌ في بيروت، ولم يكن نزار قباني يعلم أنَّ هذا الانفجار استهدف السفارة العراقية في بيروت وأنَّ زوجته التي أحبَّها وأحبَّته قد ارتقت روحها في تلك الساعة.

كان موت بلقيس بالنسبة لنزار قباني طعنة كادت تجهز عليه، فهو لم يخسر بموت بلقيس زوجته وحسب، بل وقف أمام بلادٍ وأمِّةٍ آمن بها وكتب لها فاغتالت زوجته وكسرت قلبه، لذلك نجد في قصيدته (بلقيس) ثورةً ونقمة ما بعدها نقمة.

انكسار نزار قباني

يبدو انكسار نزار قباني جليّاً واضحاً اعتباراً من الكلمة الأولى في قصيدته بلقيس؛ فيقول:

شكراً لكم... شكراً لكم، فحبيبتي قُتلَتْ

وصار بوُسْعِكُم أنْ تشربوا كأساً على قبرِ الشَّهيدةْ

وقصيدَتِي اغْتِيلتْ، وهلْ من أُمَّـةٍ في الأرضِ إلَّا نحنُ تغتالُ القصيدةْ؟

الحسرة على فقدان بلقيس وهجاء العرب

ثم يمضي نزار قباني برثائه ويبوح بما كانت عليه بلقيس الرواي، لكنه في نفس الوقت يعلن الحرب على العروبة والعرب:

بلقيسُ كانتْ أجملَ الملكاتِ في تاريخِ بابِلْ

بلقيسُ... كانتْ أطولَ النَخْلاتِ في أرضِ العِراقْ

كانتْ إذا تمشي ترافقُها طواويسٌ وتتبعُها أيائل

بلقيسُ يا وجَعِي، و يا وجعَ القصيدةِ حين تلمسُهَا الأناملْ

هل يا تُرى من بعد شَعْرك سوفَ ترتفعُ السَّنابلْ؟

يا نينوى الخضراء، يا غجريَّتي الشقراء

يا أمواجَ دجلةَ تلبسُ في الربيعِ بساقِها أحلى الخلاخِلْ

قتلوكِ يا بلقيسُ؛ أيَّة أُمَّةٍ عربيةٍ تلكَ التي تغْتالُ أصواتَ البَلابِلْ؟

أين السَّمَوْأَلُ؟ والمُهَلْهَلُ؟ والغطاريفُ الأوائِلْ؟

فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ ،وثعالبٌ قَتَـلَتْ ثعالبْ، وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ

قسماً بعينيكِ اللتينِ إليهما تأوي ملايينُ الكواكب

سأقولُ يا قمرِي عن العرب�� العجائبْ

فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ؟ أم مثلنا التاريخُ كاذبْ؟

بيروت ونزار قباني

أصبحت بيروت جرحاً نازفاً في شعر نزار قباني لما شهده فيها من أحداث الحرب الأهلية قبل أن يغادرها عام 1982، لكن موت بلقيس بهذه الطريقة كان الاتساع الأكبر للجرح، فيقول قباني واصفاً بيروت:

بلقيسُ، يا عصفورتي الأحلى، و يا أَيْقُونتي الأَغْلَى

و يا دَمْعَاً تناثرَ فوق خَدِّ المجدليَّةْ

أتُرى ظلمتُكِ إذ نقلتُكِ ذاتَ يومٍ من ضفاف الأعظميَّةْ

بيروتُ تقتلُ كلَّ يومٍ واحداً مِنَّا، وتبحثُ كلَّ يومٍ عَن ضحيَّةْ

والموتُ في فِنْجَانِ قهوتنا وفي مفتاح شقَّتنا، وفي أزهارِ شرفتنَا

وفي وَرَقِ الجرائدِ، والحروفِ الأبجديَّةْ

ها نحنُ يا بلقيسُ ندخلُ مرةً أُخرى لعصرِ الجاهليَّةْ

ها نحنُ ندخُلُ في التَوَحُّشِ، والتخلُّفِ والبشاعةِ والوضاعةِ

ندخلُ مرةً أُخرى عصورَ البربريَّةْ

حيثُ الكتابةُ رحلةٌ بين الشَّظيّةِ والشَّظيَّةْ

حيثُ اغتيالُ فراشةٍ في حقلِهَا صارَ القضيَّةْ.

النص الكامل لقصيدة بلقيس

شكراً لكم... شكراً لكم، فحبيبتي قُتلَتْ

وصار بوُسْعِكُم أنْ تشربوا كأساً على قبرِ الشَّهيدةْ

وقصيدَتي اغْتِيلتْ، وهل من أُمَّـةٍ في الأرضِ إلَّا نحنُ تغتالُ القصيدةْ؟

بلقيسُ كانتْ أجملَ الملكاتِ في تاريخِ بابِلْ

بلقيسُ... كانتْ أطولَ النَخْلاتِ في أرضِ العِراقْ

كانتْ إذا تمشي ترافقُها طواويسٌ وتتبعُها أيائل

بلقيسُ يا وجعِي، ويا وجعَ القصيدةِ حين تلمسُهَا الأناملْ

هل يا تُرى من بعد شَعْرك سَوفَ ترتفعُ السَّنابلْ؟

يا نينوى الخضراء، يا غجريَّتي الشقراء

يا أمواجَ دجلةَ تلبسُ في الربيعِ بساقِها أحلى الخلاخِلْ

قتلوكِ يا بلقيسُ؛ أيَّة أُمَّةٍ عربيةٍ تلكَ التي تغْتالُ أصواتَ البَلابِلْ؟

أين السَّموأَلُ؟ والمُهلْهلُ؟ والغطاريفُ الأوائِلْ؟

فقبائلٌ أكلتْ قبائلْ، وثعالبٌ قَتلتْ ثعالبْ، وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ

قسماً بعينيكِ اللتينِ إليهما تأوي ملايينُ الكواكب

سأقولُ يا قمرِي عن العربِ العجائبْ

فهل البطولةُ كِذْبةٌ عربيةٌ؟ أم مثلنا التاريخُ كاذبْ؟

بلقيسُ لا تتغيَّبِي عنّي...

فإنَّ الشَّمسَ بعدكِ لا تُضيءُ على السواحِلْ

سأقول في التحقيق إنَّ اللصَّ أصبحَ يرتدي ثوبَ المُقاتِلْ

وأقول في التحقيق  إنَّ القائدَ الموهوبَ أصبحَ كالمُقَاوِلْ

وأقولُ: إن حكايةَ الإشعاع أسخفُ نُكتةٍ قِيلتْ، فنحنُ قبيلةٌ بين القبائِلْ

هذا هو التاريخُ يا بلقيسُ ..

كيف يُفَرِّقُ الإنسانُ ما بين الحدائقِ والمزابلْ؟

بلقيسُ أيَّتها الشهيدةُ، والقصيدةُ، والمُطهرةُ النقيَّةْ

سبأٌ تفتِّشُ عن مَلِيكَتِهَا فرُدِّي للجماهيرِ التحيَّةْ

يا أعظمَ المَلِكَاتِ... يا امرأةً تُجَسِّدُ كلَّ أمجادِ العصورِ السُومريَّةْ

بلقيسُ، يا عصفورتي الأحلى، ويا أَيْقُونتي الأَغلَى

ويا دَمْعَاً تناثرَ فوق خَدِّ المجدليَّةْ

أتُرى ظلمتُكِ إذْ نقلتُكِ ذاتَ يومٍ من ضفاف الأعظميَّةْ

بيروتُ تقتلُ كلَّ يومٍ واحداً مِنَّا، وتبحثُ كلَّ يومٍ عَن ضحيَّةْ

والموتُ في فِنْجَانِ قهوتنا وفي مفتاح شقَّتنا، وفي أزهارِ شرفتنَا

وفي ورَقِ الجرائدِ، والحروفِ الأبجديَّةْ

ها نحنُ يا بلقيسُ ندخلُ مرةً أُخرى لعصرِ الجاهليَّةْ

ها نحنُ ندخُلُ في التوحُّشِ، والتخلُّفِ والبشاعةِ والوضاعةِ

ندخُلُ مرةً أُخرى عُصُورَ البربريَّةْ

حيثُ الكتابةُ رحلةٌ بين الشَّظيّةِ والشَّظيَّةْ

حيثُ اغتيالُ فراشةٍ في حقلِهَا صارَ القضيَّةْ.

هل تعرفونَ حبيبتي بلقيسَ؟

فهي أهمُّ ما كتبوهُ في كُتُبِ الغرامْ

كانتْ مزيجاً رائعاً بين القَطِيفَةِ والرُّخامْ

كان البَنَفْسَجُ بينَ عيْنيها ينامُ ولا ينامْ

بلقيسُ يا عطْرَاً بذاكرتي، و يا قبراً يسافرُ في الغمامْ

قتلوكِ في بيروتَ مثلَ أيِّ غزالةٍ من بعدما قَتَلُوا الكلامْ .

بلقيسُ ليستْ هذهِ مرثيَّةً... لكنْ على العَرَبِ السلامْ

بلقيسُ...

مُشْتَاقُونَ، مُشْتَاقُونَ، مُشْتَاقُونَ.

والبيتُ الصغيرُ يسائلُ عن أميرتهِ المُعطَّرةِ الذُيُولْ

نُصْغِي إلى الأخبار، والأخبارُ غامضةٌ ولا تروي فضولْ

بلقيسُ ..

مذبوحونَ حتى العَظْم، والأولادُ لا يدرونَ ما يجري

ولا أدري أنا ماذا أقُولْ؟

هل تقرعينَ البابَ بعد دقائقٍ؟، هل تخلعينَ المعطفَ الشَّتَوِيَّ؟

هل تأتينَ باسمةً وناضرةً ومُشْرِقَةً كأزهارِ الحُقُولْ؟

بلقيسُ...

إنَّ زُرُوعَكِ الخضراءَ ما زالتْ على الحيطانِ باكيةً

وَوَجْهَكِ لم يزلْ مُتَنَقِّلاً بينَ المرايا والستائرْ

حتى سجارتُكِ التي أشعلتِها لم تنطفئْ!

ودخانُهَا ما زالَ يرفضُ أن يسافرْ

بلقيسُ، مطعونونَ... مطعونونَ في الأعماقْ

والأحداقُ يسكنُها الذُهُولْ

بلقيسُ .. كيف أخذتِ أيَّامي وأحلامي، وألغيتِ الحدائقَ والفُصُول

يا زوجتي، وحبيبتي، وقصيدتي، وضياءَ عيني

قد كنتِ عصفوري الجميل، كيف هربتِ يا بلقيسُ مني؟

بلقيسُ، هذا موعدُ الشَاي العراقيِّ المُعطَّرِ والمُعَتَّق كالسُّلافَةْ

فَمَنِ الذي سيوزّعُ الأقداحَ أيّتها الزرافَةْ؟

ومَنِ الذي نقلَ الفراتَ لِبَيتنا، وورودَ دَجْلَةَ والرَّصافَةْ؟

بلقيسُ إنَّ الحُزنَ يثقُبُنِي

وبيروتُ التي قَتَلَتْكِ لا تدري جريمتَها

وبيروتُ التي عَشقَتْكِ تجهلُ أنّها قَتَلَتْ عشيقتَها

وأطفأتِ القَمَرْ ..

بلقيسُ... يا بلقيسُ... يا بلقيسُ

كلُّ غمامةٍ تبكي عليكِ فمَنْ تُرى يبكي عليَّا؟!

بلقيسُ كيف رحلْتِ صامتةً ولم تضعي يديْكِ على يَدَيَّا؟

بلقيسُ كيفَ تركتِنا في الريح نرجِفُ مثلَ أوراق الشَّجَرْ؟

وتركتِنا نحنُ الثلاثةَ ضائعينَ كريشةٍ تحتَ المطرْ

أتُرَاكِ ما فكَّرْتِ بي؟ وأنا الذي يحتاجُ حبَّكِ مثلَ زينبَ أو عُمَرْ

بلقيسُ يا كنزَاً خُرافيّاً، ويا رمحَاً عراقيّاً، وغابةَ خيْزرانْ

يا مَنْ تحدَّيتِ النجُومَ ترفُّعاً، مِنْ أينَ جئتِ بكلِّ هذا العنفوانْ؟

بلقيسُ أيتها الصديقةُ، والرفيقةُ، والرقيقةُ مثلَ زَهرةِ أُقحوانْ

ضاقتْ بنا بيروتُ، ضاقَ البحرُ، ضاقَ بنا المكانْ

بلقيسُ ما أنتِ التي تَتَكَرَّرِينَ فما لبلقيسَ اثْنَتَانْ

بلقيسُ...

تذبحُني التفاصيلُ الصغيرةُ في علاقتِنَا، وتجلُدني الدقائقُ والثواني

فلكُلِّ دبّوسٍ صغيرٍ قصَّةٌ، ولكُلِّ عقدٍ من عُقودكِ قِصَّتانِ

حتى ملاقطُ شَعركِ الذَّهبيِّ تغمرُني كعادتِها بأمطارِ الحَنانِ

ويُعرِّشُ الصوتُ العراقيُّ الجميلُ على الستائرِ، والمقاعدِ، والأوَاني

ومن المرايا تطلعِينَ، من الخواتم تطلعِينَ، من القصيدة تطلَعِينَ

من الشُّموعِ، من الكؤوسِ، من النبيذ الأُرجواني

بلقيسُ... يا بلقيسُ... يا بلقيسُ

لو تدرينَ ما وجعُ المكانِ

في كُلِّ ركنٍ أنتِ حائمةٌ كعصفورٍ، وعابقةٌ كغابةِ بيْلسانِ

فهناكَ كنتِ تُدخِّنِينَ، هناكَ كنتِ تُطالعينَ

هناكَ كنتِ كنخلةٍ تتمَشَّطينَ

وتدخُلينَ على الضيوفِ كأنَّكِ السَّيْفُ اليَمَاني

بلقيسُ ..

أين زجَاجَةُ (الغِيرلاَنِ)، والوَلاّعةُ الزرقاءُ ؟

أينَ سيجَارةُ الـ (الكَنْتِ) التي ما فارقتْ شفتيكِ؟

أين (الهاشميُّ ) مُغنِّيَاً فوقَ القوامِ المهرجانِ

تتذكَّرُ الأمْشَاطُ ماضيها فيكرُجُ دَمعُها

هل يا تُرى الأمشاطُ من أشواقها أيضاً تُعاني؟

بلقيسُ صَعبٌ أنْ أهاجرَ من دمي

وأنا المُحاصَرُ بين ألسنَةِ اللهيبِ وبين ألسنَةِ الدُخَانِ

بلقيسُ أيَّتها الأميرَةْ

ها أنتِ تحترقينَ في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ

ماذا سأكتُبُ عن رحيل مليكتي؟، إنَّ الكلامَ فضيحتي

ها نحنُ نبحثُ بين أكوامِ الضحايا عن نجمةٍ سقطَتْ

وعن جَسدٍ تناثرَ كالمرايَا

ها نحنُ نسألُ يا حبيبَةْ إنْ كانَ هذا القبرُ قبْركِ أنتِ، أم قَبْرَ العُرُوبَةْ؟

بلقيسُ يا صَفْصَافةً أرخَتْ ضفائرَها عليَّ، و يا زرافةَ كبرياءْ

بلقيسُ إنَّ قضاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عربٌ، ويأكُلَ لحْمَنَا عربٌ

ويبقُرَ بطْننا عربٌ، ويفتحَ قبرَنا عربٌ

فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ؟

فالخنْجرُ العربيُّ ليسَ يُقِيمُ فرقاً بين أعناقِ الرجالِ وبين أعناقِ النساءْ

بلقيسُ إنْ هم فَجَّرُوكِ؛

فعندنا كلُّ الجنائزِ تبتدي في كَرْبَلاءَ وتنتهي في كَرْبَلاءْ

لَنْ أقرأَ التاريخَ بعد اليوم... إنَّ أصابعي اشْتَعَلَتْ، وأثوابي تُغَطِّيها الدمَاءْ

ها نحنُ ندخلُ عصرنَا الحجرِيَّ، نرجعُ كلَّ يومٍ ألفَ عامٍ للوَرَاءْ

البحرُ في بيروتَ بعد رحيل عَيْنَيْكِ اسْتَقَالْ

والشِّعرُ يسألُ عن قصيدتِهِ التي لم تكتملْ كلماتُهَا

ولا أَحَدٌ يُجِيبُ على السؤالْ

الحُزْنُ يا بلقيسُ يعصرُ مهجتي كالبرتقالةْ

الآنَ أَعرفُ مأزَقَ الكلماتِ... أعرفُ ورطةَ اللغةِ المُحَالَةْ

وأنا الذي اخترعَ الرسائِلَ، لستُ أدري كيفَ أبتدئُ الرسالَةْ

السيف يدخُلُ لحم خاصِرَتي وخاصِرَةِ العبارَةْ

كلُّ الحضارةِ أنتِ يا بلقيسُ، والأُنثى حضارَةْ

بلقيسُ... أنتِ بشارتي الكُبرى، فَمَنْ سرق البِشَارَةْ؟

أنتِ الكتابةُ قبلمَا كانَتْ كتابةْ، أنتِ الجزيرةُ والمَنَارَةْ

بلقيسُ... يا قَمَرِي الذي طمرُوهُ ما بين الحجارَةْ

الآنَ ترتفعُ الستارَةْ... الآنَ ترتفعُ الستارِةْ

سَأَقُولُ في التحقيقِ

إنّي أعرفُ الأسماءَ، والأشياءَ، والسُّجناءَ

والشهداءَ، والفُقراءَ، والمُسْتَضْعَفِينْ ..

وأقولُ إنّي أعرفُ السيَّافَ قاتِلَ زوجتي، ووجوهَ كُلِّ المُخْبِرِينْ

وأقول إنَّ عفافَنا عهرٌ وتقوانا قَذارةْ

وأقُولُ إنَّ نضالَنا كذبٌ، وأنْ لا فَرْقَ ما بين السياسةِ والدَّعارةْ

سأقولُ في التحقيق :إنّي قد عرفْتُ القاتلينْ

وأقولُ :إنَّ زماننا العربيَّ مُختصٌّ بذبحِ الياسَمِينْ

وبقتلِ كُلِّ الأنبياءِ، وقتلِ كُلِّ المُرسلِينْ

حتَّى العيونُ الخُضْرُ يأكلها العَرَبْ!

حتّى الضفائرُ، والخواتمُ، والأساورُ، والمرايا، واللُّعَبْ

حتّى النجومُ تخافُ من وطني، ولا أدري السَّبَبْ

حتّى الطيورُ تفُرُّ من وطني ولا أدري السَّبب!

حتى الكواكبُ، والمراكبُ، والسُّحُبْ

حتى الدفاترُ، والكُتبْ

وجميعُ أشياء الجمالِ، جميعُها ضِدَّ العربْ

لما تناثرَ جسْمُكِ الضَّوئيُّ يا بلقيسُ لُؤْلُؤَةً كريمةْ

فكَّرْتُ: هل قَتْلُ النساء هوايةٌ عربيَّةٌ؟

أم أنّنا في الأصل محترِفُو جريمَةْ؟

بلقيسُ... يا فَرَسِي الجميلةُ، إنَّني من كُلِّ تاريخي خجولْ

هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيولْ، هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيولْ

مِنْ يومِ أنْ نحرُوكِ يا بلقيسُ يا أَحْلَى وَطَن

لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يعيشُ في هذا الوطنْ

لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يموتُ في هذا الوطنْ!

ما زلتُ أدفعُ من دمي أعلى جزاءْ

كي أُسْعِدَ الدُّنْيَا ولكنَّ السَّمَاءْ

شاءَتْ بأنْ أبقى وحيداً مثلَ أوراق الشتاءْ

هل يُوْلَدُ الشُّعراءُ من رَحِمِ الشقاءْ؟

وهل القصيدةُ طعنَةٌ في القلبِ ليس لها شِفَاءْ؟

أم أنّني وحدي الذي عيْناهُ تختصرانِ تاريخَ البُكَاءْ؟

سَأقُولُ في التحقيق كيف غَزَالتي ماتَتْ بسيف أبي لهبْ

كلُّ اللصوص من الخليجِ إلى المحيطِ...

يدمِّرُونَ، ويُحرِقُونَ، وينْهبُونَ، ويرتشُونَ

ويعتدونَ على النساءِ، كما يُرِيدُ أبو لَهَبْ

كُلُّ الكِلابِ مُوَظَّفُونَ، ويأكُلُونَ، ويسكرُونَ، على حسابِ أبي لَهَبْ

لا قَمْحَة في الأرض تَنبتُ دونَ رأي أبي لَهَبْ

لا طفلَ يُولَدُ عندنا إلا وزارتْ أُمُّهُ يوماً فِراشَ أبي لَهَبْ

لا سِجنَ يُفتحُ دونَ رأي أبي لَهَبْ

لا رأسَ يُقْطَعُ دونَ أَمْر أبي لَهَبْ

سَأقُولُ في التحقيق كيفَ أميرتي اغْتُصِبَتْ؟

وكيفَ تقاسَمُوا فَيْرُوزَ عينيهَا وخاتَمَ عُرْسِهَا؟

وأقولُ كيفَ تقاسَمُوا الشَّعرَ الذي يجري كأنهارِ الذَّهبْ؟

سَأَقُولُ في التحقيق:كيفَ سَطوْا على آيات مُصحفِها الشريفِ وأضرمُوا فيه اللَّهَبْ؟

سَأقُولُ كيفَ استنزفوا دَمَها، وكيفَ استَملكوا فَمها

فما تركوا به ورداً ولا تركوا عِنَبْ؟

هل مَوْتُ بلقيس هو النَّصرُ الوحيدُ بكُلِّ تاريخِ العربْ؟؟

بلقيسُ يا مَعشُوقتي حتَّى الثُّمالةْ...

الأنبياءُ الكاذبُونَ يقرفصُونَ ويَركبونَ على الشعوبِ، ولا رِسالةْ

لو أنَّهم حملُوا إلَيْنَا من فلسطينَ الحزينة نجمَةً أو بُرْتُقَالَةْ!

لو أَنَّهُمْ حملُوا إلَيْنَا من شواطئ غزَّة حجراً صغيراً أو محارةْ!

لو أَنَّهُمْ من رُبْعِ قَرْنٍ حَرَّروا زيتونةً، أو أَرْجَعُوا لَيْمُونَةً ومَحوا عن التاريخ عَارَهْ

لشكرْتُ مَنْ قتلُوكِ يا بلقيسُ... يا مَعْشوقتي حتى الثُّمَالَةْ

لكنَّهُمْ تَرَكُوا فلسطيناً ليغتالُوا غَزَالَةْ

ماذا يقولُ الشِّعْرُ يا بلقيسُ في هذا الزَمَانِ؟

ماذا يقولُ الشِّعْرُ في العَصرِ الشُّعوبيِّ، المَجُوسيِّ، الجَبَان

والعالمُ العربيُّ مسحوقٌ ومقموعٌ ومَقْطُوعُ اللسان!

نحنُ الجريمةُ في تَفوُّقِها، فما (العِقْدُ الفريدُ) وما (الأَغَاني)؟

أخذُوكِ أيَّتها الحبيبةُ من يَدِي، أخَذُوا القصيدةَ من فَمِي

أخذُوا الكتابةَ والقراءةَ والطُّفولةَ والأماني

بلقيسُ... يا بلقيسُ... يا دَمْعَاً يُنَقِّطُ فوق أهداب الكَمَانِ

عَلَّمْتُ من قتلوكِ أسرارَ الهوى

لكنَّهُمْ قبلَ انتهاءِ الشَّوْطِ قد قتلُوا حِصَاني

بلقيسُ  أسألكِ السماحَ... فربَّما كانَتْ حياتُكِ فِدْيَةً لحياتي

إنّي لأعرفُ جَيّداً أنَّ الذين تورَّطُوا في القَتْل كانَ مُرَادُهُمْ أنْ يقتُلُوا كَلِمَاتي

نامي بحفظِ اللهِ أيَّتها الجميلَةْ فالشِّعر بعدكِ مستحِيلٌ والأُنوثةُ مُسْتَحِيلَةْ

ستظَلُّ أجيالٌ من الأطفالِ تسألُ عن ضفائركِ الطويلَةْ

وتظلُّ أجيالٌ من العُشَّاقِ تقرأُ عنكِ أيَّتُها المعلِّمَةُ الأصيلَةْ

وسيعرفُ الأعرابُ يوماً .. أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرسولَة.

قَتَلُوا الرسولَةْ.