الشاعر والصحفي المصري فاروق جويدة

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الخميس، 17 يونيو 2021
الشاعر والصحفي المصري فاروق جويدة

يتفق النقاد والمتابعون للشؤون الثقافية أن سلطة الشعر قد انحسرت بشكل كبير بمواجهة الرواج الكبير الذي تشهده الرواية، فلم يعد السوق الثقافي داعماً للشعراء كما كان، ولم تعد صفحات المجلات والصحف تستقبل القصائد بذات الرغبة أو الكمية.

فضلاً عن الصعود السريع الذي يقابله الهبوط السريع لأسماء الكتَّاب والشعراء باعتبارهم ظواهر مؤقتة، كل ذلك جعل من الشعر مهمة صعبة وشاقة، لكن شاعرنا تمكن من الحفاظ على وجوده القوي في الساحة الشعرية والثقافية، كما شكَّل نقطة اتصال بين مرحلتين مختلفتين، تعرفوا معنا على الشاعر المصري فاروق جويدة ومسيرته الصحفية والشعرية الفريدة، إضافة إلى مختارات من أجمل قصائده.

 

نشأة الشاعر فاروق جويدة

في العاشر من شباط/فبراير من عام 1946، ولد الشاعر المصري فاروق جويدة في محافظة كفر الشيخ، ثم عاد مع عائلته إلى قريتهم الأصلية في محافظة البحيرة حيث قضى طفولته وتعليمه الأوليَّ فيها، كما بدت عليه علامات الشعر منذ الصغر، وفق ما يذكر هو نفسه في حوار أجراه معه إبراهيم خليل إبراهيم لموقع (ديوان العرب) عام 2009، وذكر فاروق جويدة في الحوار نفسه أن الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل والدكتور مصطفى الفقي كانوا من أصدقاء طفولته وزملائه في المدرسة.

طفولة فاروق جودية وبذور الشعر

أول أبيات شعرية حفظها الطفل فاروق جويدة كانت للشاعر الأندلسي ابن زيدون، حيث قام بإلقائها أثناء حفلٍ مدرسي لوداع أحد الأساتذة، فلفت نظر من حوله من المعلمين بحضوره وإحساسه بالكلمات، حتَّى قال له مدير المدرسة: يا ولد أنت سوف تكون شاعراً.

إعجاب الأساتذة به خلق عنده شغفاً بالتقرب أكثر من الشعر والتعرف عليه، فهو منذ ذلك الوقت أصبح "فاروق الشاعر"، وبدأ يحفظ الشعر "وكنتُ أقرأ القصيدة مرَّة واحدة فأحفظها".

موسيقا فاروق جويدة متأثرة بالصوفية والقرآن الكريم

لم يحمل فاروق جويدة من طفولته لقب "الشاعر" وحسب، بل حمل معه تأثيرات موسيقية تبدو واضحة في قصائده كما نرى لاحقاً، حيث تأثر بشكل كبير بالقرآن الكريم والشعر العربي، إضافة إلى الأناشيد التي كانت ترددها الحضرة الصوفية، حيث كان يذهب إليها مع والده، وانضم إلى المنشدين في عمر خمس عشرة سنة "وكنت أحفظ وأردد من بردة البوصيري، فهي مقدسة عند أهل الصوفية.. وهذا علمني أوزان الشعر والموسيقا".

 

مسيرة طويلة حملت فاروق جويدة الطفل من "أعماق الريف" إلى قلب القاهرة

أنهى جويدة تعليمه الثانوي، فانتقل إلى القاهرة ليلتحق بكلية الآداب قسم الصحافة، حيث بدأ العمل الصحفي أثناء الدراسة وتدرب في مجلة روز اليوسف، لكنه تركها بعد نكسة العام 1967، ثم بدأ العمل مع مجلة صباح الخير، لكنه اضطر أيضاً إلى ترك المجلة بعد أن نشر مادة صحفية تناول فيها الفساد المالي والاختلاسات التي تجري؛ ما أدى لاستدعائه إلى التحقيق على خلفية ما نشره بتوجيه من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتم إنهاء التحقيق معه بعد خمسة عشر يوماً.

حاملاً الريف بقلبه جاء فاروق جويدة إلى المدينة

أما عن رحلته إلى المدينة، فيقول جويدة في لقاء له مع مجلة عربيات الإلكترونية:

"حملت معي من قريتنا الصغيرة ثلاثة أشياء ..هي: هذا العشق الشديد للطبيعة بكل ما فيها من مظاهر الجمال أرضاً و سماء وزرعاً، وحملت أيضاً شيئاً من البساطة في الحياة والسلوك وحتى أسلوب الكتابة، لأنني لا أعتقد أن الحياة بحاجة إلى المزيد من التعقيد.. ثم حملت الصدق مع الله والنفس والآخرين.. وكان هذا زادي في رحلتي إلى المدينة".

تغطية الحرب الأهلية في نيجيريا

تأثر فاروق جويدة بحرب النكسة عام 1967 وتوقف عن كتابة الشعر، لكنه انتقل إلى واحدة من أهم محطات حياته، ذلك عندما بدأ العمل مع جريدة الأهرام، واجتاز أول اختبار مهني حقيقي بنجاح مبهر، حيث قامت الجريدة بإيفاده إلى نيجيريا عام 1969 لتغطية الحرب الأهلية النيجيرية (حرب بيافرا الأهلية)، فاستطاع جويدة أن يقوم بتغطية مميزة للحرب في نيجيريا من مواقع القتال والنقاط الساخنة، كما أجرى لقاء مع الرئيس النيجيري يعقوبو جون.

الصور التي رفض فاروق جويدة بيعها

بعد انتهاء المقابلة مع الرئيس النيجيري وفي طريق العودة، ركب جويدة في سيارة عسكرية منفصلاً عن المراسلين الآخرين، وتمكن من التقاط الكثير من الصور في الطريق، وبعد فترة وجيزة جداً تم منع دخول الصحفيين إلى تلك المناطق، فكان جويدة بذلك يمتلك الفيلم الوحيد الذي يتضمن صوراً منها، ورفض فاروق جويدة عرضاً أجنبياً لبيع هذا الفيلم بما أنَّه قام بالتقاط الصور لصالح جريدة الأهرام، وفق ما يروي في لقائه مع الإعلامية منى الشاذلي على شاشة MBC مصر، كما حصل على مكافأة من الجريدة بقيمة 200 جنيه مصري، وكان مرتبه ست جنيهات مصرية فقط آنذاك.

بعد الرحلة الأفريقية

استمر فاروق جويدة في العمل مع جريدة الأهرام، لكن كمحرر اقتصادي، وليس كمراسل حربي، كما تبوأ مواقعاً عدَّة في الجريدة أبرزها سكرتير التحرير، ورئيساً للقسم الثقافي، ويقوم جويدة بنشر مقالاته في الأهرام وصحف أخرى حتى تاريخ إعداد هذه المادة.

 

تفاصيل كثيرة جمعت فاروق جويدة مع محمد حسنين هيكل

على الرغم من فارق السن والخبرة بين فاروق جويدة الشاب، ومحمد حسنين هيكل رئيس تحرير جريدة الأهرام، إلَّا أنَّ العلاقة بينهما كانت مميزة منذ البداية، كما تطورت في مراحل سابقة لتصبح علاقة صداقة متينة فضلاً عن كونها علاقة زمالة، وكان هيكل من الأشخاص الذين يعتبرهم جويدة علامات بارزة في تاريخ الكتابة العربية، بل أنَّه يصفه "من أفضل كتاب العالم".

وعن هذه الصداقة، يقول فاروق جويدة: "علاقة الصداقة بين شاب قادم من أعماق الريف وهيكل... ومن هو هيكل في عصره الذهبي!".

من جهة أخرى، كان لهيكل الفضل في إقناع جويدة بالعودة إلى الكتابة بعد الأزمة التي تعرض لها عام 2005، حيث تم استدعاؤه للتحقيق معه بعد نشره مقالاً عن المحسوبيات في التعيينات القضائية، وعلى الرغم من عدم إدانته أو تعرضه للسجن، لكنَّه توقف عن الكتابة لمدَّة ثمانية أشهر؛ لأنَّه شعر بالإهانة، إلى أن أقنعه هيكل بالعودة إلى الورقة والقلم.

 

أعمال فاروق جويدة

في شبابه، اعتزل فاروق جويدة الشعر عقب هزيمة 1967، وعاد إليه ثانية مع انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر عام 1973، حيث قام بكتابة أربع عشرة قصيدة في خمسة عشر يوماً، وقام بنشر ديوانه الشعري الأول (أوراق من حديقة أكتوبر) الذي قدم له الأديب الراحل توفيق الحكيم، أما المرة الثانية، كانت عام 2005 على خلفية قضية إهانة القضاء وعاد مجدداً ليستأنف الكتابة بعد انقطاع ثمانية أشهر.

قدم فاروق جويدة العديد من الدواوين الشعرية للقارئ العربي، فضلاً عن عدَّة مسرحيات، وكتابٍ في أدب الرحلات، إضافة إلى كتاب جمع فيه وثائق تتعلق بالمقالة التي كتبها عن الاختلاسات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بعنوان (أموال مصر: كيف ضاعت)، كما تمت ترجمة بعض أعماله إلى لغات أخرى، منها: الصينية والإنجليزية إضافة إلى الفرنسية وغيرها.

أبرز أعمال فاروق جويدة الشعرية:

  • أوراق من حديقة أكتوبر، عام 1974.
  • حبيبتي لا ترحلي، عام 1975.
  • ويبقى الحب، عام 1977.
  • وللأشواق عودة، عام 1978.
  • في عينيك عنواني، عام 1979.
  • لأني أحبك، عام 1982
  • شيء سيبقى بيننا، عام 1983
  • طاوعني قلبي في النسيان، عام 1986
  • كانت لنا أوطان، عام 1991.
  • كما صدرت له الأعمال الكاملة عن مركز الأهرام للترجمة والنشر عام1987، متضمنة تسعة دواوين، ومسرحيتان.

أعمال فاروق جويدة المسرحية

  • الوزير العاشق.
  • دماء على أستار الكعبة.
  • الخديوي.
 

من دفاتر فاروق جويدة الهادئ والثائر في آنٍ معاً

تنوعت مواضيع فاروق جويدة بتنوع تجاربه، فكتب يائساً وآملاً، وكتب الفرح والحزن، كما تفنَّن في وصف الفراق والوصال، وكان للوطن حصة كبيرة أيضاً من أشعار فاروق جويدة، حيث تميز كصوتٍ قوي شارك في تأريخ مرحلة من مراحل تاريخ شعبه.

من جهة أخرى، لم يسلم جويدة من الاتهامات التي تحوم حول الشعراء المشهورين، فقيل أنَّه من شعراء البلاط وأبواق النظام، وإن لم نجد في شعره ما يلمح إلى ذلك، كما قيل أنَّه: يحاول أن يكون نزار قباني، فيما يقول المدافعون عنه أنَّه: وإن تأثر بغيره لكنه صنع هوية مستقلة.

يقول جويدة في قصيدة (ماذا تبقى من أرض الأنبياء):

ماذا تبقى من بلادِ الأنبياءْ؟

لا شيء غير النجمة السوداءْ ترتع في السماء..

لا شيء غير مواكب القتلى وأنات النساء

لا شيء غير سيوف داحس التي غرست سهام الموت في الغبراء

لا شيء غير دماء آل البيت مازالت تحاصر كربلاء

فالكون تابوت.. وعين الشمس مشنقةُ

وتاريخ العروبة سيف بطش أو دماء..

عتب الأحباب

تساءلوا: كيف تقول: هذى بلاد لم تعد كبلادي؟!

فأجبت: هذا عتاب الحب للأحباب

لا تغْضَبي من ثوْرَتِي وعتابي مازالَ حُّبكِ محنتي وعذابي

مازالتِ في العين الحزينةِ قبلةً للعاشقين بسحْركِ الخَلاَّبِ

أحببتُ فيكِ العمرَ طفلاً باسماً جاءَ الحياةَ بأطهر الأثوابِ

أحببتُ فيكِ الليلَ حين يضمنا دفءُ القلوبِ.. ورفقةُ الأصحابِ

أحببتُ فيكِ الأم تسْكنُ طفلهَا مهما نأى.. تلقاهُ بالترْحَابِ

من قال أن النفط أغلى من دمي

وهي واحدة من أكثر قصائد الشاعر فاروق جويدة شهرة، كما قام المطرب العراقي كاظم الساهر بتلحين وغناء مقطع منها، وهو المقطع القائل:

أطفال بغداد الحزينة يسألون ..

عن أيّ ذنب يقتلون

يترنحون على شظايا الجوع .

يقتسمون خبز الموت..ثمّ يودعون.

(...)

والطفل يهمس في أسى:

اشتاق يا بغداد تمرك في فمي...

من قال إن النفط أغلى من دمي؟!

بغداد لا .. لا تتألمي..

مهما تعالت صيحة البهتان في الزمن العَمي

فهناك في الأفق يبدو سرب أحلام.. يعانق انجمي

مهما توارى الحلم عن عينيك.. قومي.. واحلمي

ولتنثري في ماء دجلة أعظمي

فالصبح سوف يطلّ يوماً.. في مواكب مأتمي

الله أكبر من جنون الموت .. والموت البغيض الظالمِ

بغداد لا تستسلمي.. بغداد لا تستسلمي

من قال إن النفط أغلى من دمي؟!.

خطيئة النيل عند فاروق جويدة

وعلمتنا العشق قبل الأوان

فلما كبرنا ودار الزمان

تبرأت منا.. وأصبحت تنسى، فلم نرى في العشق غير الهوان

عشقانك يا نيل عمراً جميلا، عشقناك خوفاً وليلاً طويلا

وهبناك يوما قلوباً بريئة، فهل كان عشقك بعض الخطيئة؟!

احتراق الشموع

أترى ستجمعنا الليالي كي نعود ونفترق؟

أترى تضيء لنا الشموع ومن ضياها نحترق؟

أخشى على الأمل الصغير بأن يموت ويختنق؟

اليوم سرنا ننسج الأحلام وغداً سيتركنا الزمان حطام

وأعود بعدك للطريق لعلني أجد العزاء

وأظل أجمع من خيوط الفجر أحلام المساء

وأعود أذكر كيف كنا نلتقي، والدرب يرقص كالصباح المشرقِ

والعمر يمضي في هدوء الزئبق

شيء إليك يشدني لم أدر ما هو.. منتهاه؟

يوماً أراه نهايتي يوماً أرى فيه الحياةْ.

ومن قصائده المغناة أيضاً، قصيدة "لوأننا لم نفترق":

لو أننا لم نفترق

لبقيت نجماً في سمائك سارياً وتركت عمري في لهيبك يحترق

لو أنني سافرت في قمم السحاب وعدت نهراً في ربوعك ينطلق

لكنها الأحلام تنثرنا سراباً في المدى وتظل سراً في الجوانح يختنق ...

لو أننا لم نفترق

كانت خطانا في ذهول تبتعد

و تشدنا أشواقنا، فنعود نمسك بالطريق المرتعد

تلقي بنا اللحظات في صخب الزحام كأننا

جسد تناثر في جسد

جسدان في جسد نسير و حولنا

كانت وجوه الناس تجري كالرياح

فلا نرى منهم أحد ...

ختاماً... استطاع فاروق جويدة أن يثبت نفسه من خلال مسيرته الأدبية الطويلة، فحازت تجربته الشعرية والصحفية على اهتمام كبير، ما أوصله للحصول على الجائزة العالمية لشعراء السلام عام 2016، حيث تسلم جائزته من وزير الثقافة الإماراتي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، لكن جويدة اضطر للعودة إلى مصر في اليوم التالي مباشرة؛ لحضور عزاء صديقه ورئيس تحرير جريدة الأهرام الراحل محمد حسنين هيكل.

القيادي الآن على واتس آب! تابعونا لكل أخبار الأعمال والرياضة