"فاتي"مهاجرة إفريقية وجدت الحرية في العودة إلى الوطن!

  • DWWبواسطة: DWW تاريخ النشر: الأربعاء، 08 مارس 2023
"فاتي"مهاجرة إفريقية وجدت الحرية في العودة إلى الوطن!

قيل لها إنها ارتكبت خطأ فادحاً، وأقدمت على اختيار سيئ. كان ذلك تحدياً صعباً واجهته فاتي، المرأة الغانية التي كانت قصتها موضوع الفيلم الوثائقي "خيار فاتي"، الذي عرض في "مهرجان أفريكاميرا السينمائي" في برلين.

بعد استعانتها بالمهربين وتمكنها من الوصول إلى إيطاليا، أثار اختيار فاتي العودة إلى غانا بعد ستة أشهر فقط الكثير من الانتقادات. فاتي حامل حالياً ومعدمة من الناحية المالية وتسعى للطلاق من زوجها الذي اختار البقاء في إيطاليا.

تسمع عبارات تكون قاسية في بعض الأحيان: "لماذا عدت؟ لو كنت مكانك ما كنت لأعود. أنت تنحدرين من أسرة فقيرة، كان عليك التحلي بالصبر بعد وصولك إلى أوروبا، لقد ارتكبت خطأ كبيراً".

خالي/ة الوفاض!

لدى فاتي كل الأسباب التي تدعوها للندم على اتخاذها قرار بالعودة إلى غانا. كان هدفها من الهجرة إلى أوروبا هو كسب المال لإرساله إلى أطفالها الأربعة الذين تركتهم في الوطن، ولكن بمجرد وصولها إلى إيطاليا، وجدت واقعاً مختلفاً. عاشت طيلة مدة بقائها هناك في مخيم ولم يكن لديها فرصة للعمل، حينها تقدمت بطلب إلى السفارة الغانية في روما للعودة إلى الوطن، وعادت مفلسة كلياً.

مخرجة فيلم "خيار فاتي" فاطمة دادزي، سمعت الكثير من القصص عن "الجنة الأوروبية" والمكانة الاجتماعية الجيدة التي يأمل أن يحوزها المهاجرون هناك. نفس الحلم دفع ابن عمها إلى ترك وطنه والمغامرة بكل أمواله لأجل رحلة عبر البحر الأبيض المتوسط، أملاً في حياة أفضل.

قالت المخرجة دادزي في تصريح لمهاجر نيوز: "من يبقى في الوطن يتصور أن المهاجرين في أوروبا يعيشون حياة رفاهية. حقيقة أنك وصلت إلى هناك تعني أنه عليك بالمقابل إحضار شيء ما. لقد استثمرت العائلة فيك، لذا فأنت تتحمل هذه المسؤولية".

عندما فشل حلمه وعلق في ليبيا، عاد ابن عم دادزي إلى غانا خالي الوفاض. كانت التجربة مخزية للغاية بالنسبة له لدرجة أنه توارى عن أنظار عائلته لمدة عام تقريباً قبل أن يخبرهم أنه عاد. تقول دادزي: "كان هناك الكثير من الأمل الذي تعلقت به والدته وكل أفراد الأسرة، لذلك صعب عليه إعلان عودته". وتضيف المتحدثة قائلة "كان الناس يسخرون منه ويرونه فاشلاً، كان الأمر محرجاً للغاية بالنسبة له".

اغتصاب الأطفال والنساء

كان الأمر أسوأ بالنسبة لفاتي، فهي لم تصل فقط إلى إيطاليا واختارت العودة، ولكن لأنها امرأة، من المحتمل أن تكون قد عانت من الاستغلال الجنسي أثناء الرحلة، وفقاً لدادزي.

من المعروف أن طريق الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط من شمال إفريقيا إلى إيطاليا أحد أخطر طرق الهجرة في العالم بالنسبة للنساء. وفقاً لتقرير اليونيسف في عام 2017، تعرض ما يقرب من نصف الأطفال والنساء الذين يعبرون إلى إيطاليا للاغتصاب. وقال التقرير إن العنف الجنسي ضد النساء والأطفال كان يحدث "بشكل كبير ومنهجي" عند نقاط التفتيش والمعابر.

ذكرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أكتوبر / تشرين الأول من هذا العام أن العنف الجنسي ضد المهاجرين في ليبيا "واسع الانتشار، لا سيما داخل مراكز الاحتجاز الليبية، ويتم ارتكاب هذه الجرائم مع إفلات تام من العقاب". هناك أيضاً الكثير من الأدلة على أن النساء والفتيات المهاجرات من إفريقيا يواجهن العنف الجنسي، بما في ذلك الاستغلال الجنسي والاتجار بهن، في إيطاليا.

تقول دادزي إن الأمر استغرق سنة كاملة حتى أصبحت علاقتها بفاتي علاقة ثقة، مؤكدة أنها تعرف ما تحملته هذه السيدة خلال رحلتها. والواضح أن فاتي لديها سلاح سري، يتمثل في حبها لأطفالها والتزامها بالعناية بهم والبقاء معهم. وهو ما ساعد إلى جانب صلابة موقفها وتشبثها به لمواجهة منتقديها.

"أثناء تصوير الفيلم الوثائقي، أدركت أن بعض الأشخاص مستعدين للتضحية بمستقبل أطفالهم من أجل الوصول إلى أوروبا. لكن فاتي لم تكن مستعدة للقيام بذلك، فضلت حياة الفقر من أجل البقاء إلى جانبهم".

هذا لا يعني أن الأشخاص الذين اضطروا إلى ترك أطفالهم في بلدانهم الأصلية وهاجروا إلى أوروبا يحبونهم بشكل أقل، لكن إعطاء فاتي الأولوية لوجودها مع أطفالها عوض الماديات، والتخلي عن استغلال حملها في إيطاليا من أجل الحصول على وضع قانوني، جعلها لا تحظى بالاحترام بعد عودتها، وفي بعض الحالات يرى الكثيرون في وطنها، أن الاهتمام بالأطفال لا يمكن أن ينافس أو يبرر التخلي عن كل الثروة والفرص التي توفرها أوروبا.

أوروبا المثالية!

تقول مخرجة الوثائقي دادزي إن فكرة أوروبا كمكان يعد بالنجاح هي فكرة راسخة في العقول هنا، بحيث "يُنظر دائماً إلى أولئك الذين يعودون لقول الحقيقة على أنهم فاشلون وكاذبون. ويُنظر إلى العائد كشخص لا يريدهم أن يجربوا العيش في أوروبا، ويريد أن يحرم الناس من تلك "الجنة".

وترى المخرجة أيضاً أن صورة أوروبا في أذهان أهل غانا هي صورة من الصعب تغييرها: "يظنون أن عملاً بسيطاً هناك سيوفر لك الكثير من المال، وستعيش في منزل جديد وجميل وسط أحياء جميلة، ولن تكون مضطراً إلى الكفاح من أجل الحصول على الإقامة، وستحصل على الطعام الجيد بسعر رخيص".

وترجع دادزي هذه الصورة التي رسمت في أذهان أبناء بلدها عن أوروبا لما يتم تقديمه في وسائل الإعلام. تشرح فكرتها قائلة "أدركت خلال بحثي أن الكثير من الناس يصدقون ما يرونه على التلفاز، أنت لا ترى الكثير من المصاعب في أوروبا على شاشة التلفاز، لذا فهي في مخيلتك مثالية".

تعترف فاتي بدورها في الفيلم قائلة "كنت أعتقد أن أوروبا جنة، ظننت أنه عند الوصول إلى هناك سيكون كل شيء بخير، أعتقدت أنني لن أحتاج إلى المال لشراء حاجياتي من متجر البقالة".

كيف يمكن وقف الهجرة؟

في نظر دادزي، ليس المهم هو العمل على تغيير صورة أوروبا في أذهان الأفارقة، بل الأجدر أن يتم تغيير واقعهم أولاً. "ما يجب تغييره لوقف الهجرة الجماعية للشباب الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى ليس تصوراتهم لأوروبا، ولكن ظروف حياتهم في أوطانهم".

تغيير الأفكار المترسخة على مر سنوات في العقول أمر صعب، يحتاج الناس إلى المرور بالتجربة بأنفسهم للتأكد، حسب دادزي. وهو ما أكده قول إحدى النساء في الفيلم الوثائقي "يقول البعض إن الحياة في أوروبا أكثر صعوبة، أعتقد أنهم يفعلون ذلك لإحباط عزيمتنا".

الفيلم الوثائقي حول قصة فاتي كان خطوة أولى ومحاولة من دادزي لتغيير التفكير لدى أبناء بلدها، على الرغم من اقتناعها أنه لن ينجح في إقناع الجميع، لكنه على الأقل سيكون فرصة لدعم من أقدموا على نفس القرار، ويرفع معنوياتهم.

مهاجر نيوز 2023 ماريون ماكغريغور/ ترجمة: ماجدة بوعزة

القيادي الآن على واتس آب! تابعونا لكل أخبار الأعمال والرياضة